زيارة شخصية بهائية عظيمة الي مصر

زيارة عبدالبهاء لمصر
زيارة عبدالبهاء لمصر

ABN Bahá'í News :

ABN NEWS / مازلنا عند حديثنا عن هذه الشخصية العظيمة وهو حضرة عبدالبهاء ابن حضرة بهاء الله .. رسول الدين البهائي .. وكيف انه انار العالم بجولاته ورحلاته ومن بينها رحلته الشهيرة الي مصر والتي نذكر بعض من جوانبها في هذا التقرير
فقد كانت زيارة عبد البهاء لمصر وهو في طريقه إلى بلاد الغرب، توقّف حضرته أثناءها لعدّة شهور في بورسعيد والقاهرة والأسكندرية قبل استئناف سفره، تمكّن خلالها من إزالة الشّكوك والمفاهيم الخاطئة التي حامت حول الدّيانة البهائيّة، فأضحت زيارته موضع ترحيب حكومة مصر وقادتها.
شاء القدر أن يقيم عبد البهاء (عبّاس أفندي) في مصر عدة شهور كانت فيها الأسكندريّة مقرّاً له، ثم اتّخذها محطّاً لذهابه وإيابه إلى ديار الغرب. وتمكّن حضرته أثناء هذه المدّة من استعادة شيئ من العافية مكّنه من استئناف السّفر، كما أفاض حضرته في تلك الأيّام على أهل مصر، وعقولها من حكمته ما نرى فيه اليوم بعثاً للآمال في نهضةً روحانيّةً جديدةً، وتحقيقاً للوعد الإلهيّ بتبديل الأرض وأحوالها. وإحياءً للذّكرى المئويّة الأولى لذلك الحدث التّاريخيّ نستعيد الآن بعضاً من فواضل تلك الأيّام.
في التّاسع عشر من سبتمبر/ أيلول عام ١٩١٠ طالعت جريدة الأهرام قرّاءها بخبر بدا لأكثر المصريّين مُبهماً، جاء فيه:
”وصل عبّاس أفندي زعيم البابيّة إلى بورسعيد منذ بضعة أيّام تاركاً مقرّه في مدينة عكّاء، فتوافد أتباعه الإيرانيّون في القطر المصريّ إلى ثغر بورسعيد للتّبرّك برؤيته… وقد تضاربت الأقوال في سبب مجيئه فقال خصومه أنّه ترك عكّاء مخافة أن يناله الأذى من الحكومة الدّستوريّة… وينكر أتباعه هذه التّهمة ويقولون … هو قد جاء للتّداوي بهواء مصر من ربو أصابه، ولابد أن تظهر الحقيقة من وراء جدال الفريقين وبحص (كذا) الخصمين“*1*
لم يكن عبّاس أفندي الذي تسمى بـ ”عبد البهاء“ معروفاً في ذلك الوقت لعامّة المصريّين، ولا کانت حقيقة البابيّة والبهائيّة، مما أكثر من حولهما الهَجَس. وأغلب الظّن أن ّقرّاء الأهرام لم يستعيدوا إلى ذاكرتهم عند مطالعة هذا الخبر سوى بعض الأراجيف التي شاعت عن البابيّة والبهائيّة، ثم انصرفوا إلى المشاغل الكثيرة في حياتهم. فقد كانت مصر في تلك الأيّام مسرحاً لسياسات واتاجهات فكريّة متضاربة.

فبينما كان الاحتلال البريطاني دائباً في إحكام قبضته على شؤونها، كان وعي أبنائها المتزايد ينشد الحريّة الكاملة.
وبينما كان فريق من مفكّريها يتطلّعون إلى تحقيق النّهضة المصريّة على مثال ما نهض به أهل الغرب، كان يقاومهم الذين يستنجدون بالسّلطنة العثمانيّة المترنّحة ويروّجون للجامعة الإسلاميّة.
وبينما أحيا تعيين بطرس غالي باشا رئيساً ”للنّظّار“ آمال الأقباط في المساواة بينهم وبين المسلمين في تولّي المناصب العامّة، إذا باغتياله بشُبهة الخيانة للوطن يحطّم أحلامهم، ويستثير الخلافات الدّينيّة ويهيّئ المناخ للعداء والنّزاع الطائفيّ.

Subscribe to our YouTube TV channel from here اشترك في قناتنا التليفزيونية على YouTube TV من هنا در اینجا در کانال تلویزیونی YouTube TV ما مشترک شوید
زيارة حضرة عبدالبهاء لمصر
زيارة حضرة عبدالبهاء لمصر

في تلك الظّروف المضطّربة كان مجيء عبد البهاء إلى مصر، خير ما يواسي أهلها، ويطمئنهم أن الأزمات التي تحيط بهم هي بقايا عالم قديم قد انطوى بساطه، وستبدل الأرض في يوم قريب يُنهي الصّراع السّياسيّ ويقضي على الخلاف الطّائفيّ، ويوحد البشرية في ظلّ الأمن والسّلام… فقد حان الوقت لتأسيس عالم جديد، وهو الآن بصدد حشد مواليه وأهله من كل حدب وصوب.

وقراءتنا اليوم للخطاب الذي ألقاه عبد البهاء في تونون لوبان ونشرته الأهرام في عدد يوم ٩ سبتمبر ١٩١١، أو لما كتبه عبّاس محمود العقاد عن زيارته لحضرة عبد البهاء الذي رواه في عدد مجّلة الهلال لشهر يناير ١٩٣٠، تُبيّن مدى حرص حضرته على تحقيق الوحدة بين البشر التي طالما أكّد ضرورتها لسعادتهم وأمنهم.
ومع ذلك علت أصوات أناس لا تعوزهم المكانة والحظوة معارضةً وجوده في مصر، ومثيرةً للشّكوك حول مقاصد زيارته، وهو ما ألمحت إليه الأهرام بذكرها وجود أقوال متضاربة عن سبب مجيئه. ودام هذا الشّك إلى أن ظهرت جريدة المؤيّد بتحقيق صحفيّ حول زيارة حضرة عبد البهاء، نوّه فيه صاحبها الشّيخ علي يوسف بعلم عبد البهاء ومنزلته الرّفيعة، ومسعاه لتوحيد الإنسانيّة وتحقيق السّلام، فكتب ما نصّه:
”‬وصل إلى ‬ثغر الأسكندريّة حضرة العالم المجتهد مرزا عبّاس أفندي ‬كبير البهائيّة في ‬عكّاء بل مرجعها في ‬العالم أجمع. ‬وقد نزل أوّلاً في ‬نُزل فيكتوريا بالرّمل بضعة أيّام ثم اتّخذ له منزلاً بالقرب من شُتْس، ‬وهو شيخ عالم وقور متضلّع من العلوم الشّرعيّة ومحيط بتاريخ الإسلام وتقلّباته ومذاهبه ‬يبلغ ‬السّبعين من العمر أو ‬يزيد على ذلك. ‬
ومع كونه اتّخذ عكاء مقاماً ‬له فإنّ ‬له أتباعاً ‬يُعدّون بالملايين في ‬بلاد الفرس والهند بل في ‬أوربا وأمريكا. ‬وأتباعه ‬يحترمونه إلى حدّ ‬العبادة والتّقديس حتىّ أشاع عنه خصومه ما أشاعوا. ‬ولكنّ كلّ ‬من جلس إليه ‬يرى رجلاً عظيم الاطّلاع حلو الحديث جذّاباً ‬للنّفوس والأرواح ‬يميل بكليّته إلى مذهب (‬وحدة الإنسان)… ‬تدور تعاليمه وإشاداته حول محور إزالة فروق التّعصب للدّين أو للجنس أو للوطن أو لمرفق من مرافق الحياة الدّنيويّة.

جلسنا إليه مرّتين فأذكرنا بحديثه وآرائه سيرة المرحوم السّيد جمال الدّين الأفغانيّ ‬في ‬إحاطته بالمواضيع الّتي ‬يتكلّم فيها وفي ‬جاذبيّته لنفوس محدّثيه إلاّ ‬أنّ ‬هذا ‬يتسع حلماً ‬ويلين كنفه لحديث مخاطبيه ويسمع منهم أكثر مما كان ‬يسمع السّيد جمال الدّين… ‬وقد عزم على أن ‬يقيم في ‬ثغر الاسكندريّة ما اقتضت صحّته ذلك فإن لم ‬ير تحسناً ‬كبيراً ‬في ‬صحّته قصد القاهرة وأقام في(‬مصر الجديدة) ‬أو في ‬حلوان الشّتاء المقبل وما شاء اللّه من أيّام الرّبيع بعده.

وهو ‬ينفي ‬نفياً ‬باتّاً ‬أنّ ‬هناك باعثاً ‬سياسيّاً ‬حمله إلى الوفود على مصر قائلاً: ‬إنّني ‬لا شأن لي ‬بأمور السّياسة من قبل ومن بعد فلا داعي ‬لأن ‬يكون هناك باعث سياسيّ ‬على مبارحة البلد الّذي ‬اتّخذه وطناً ‬له . ‬فنحن نرحّب بحضرة هذا العالم الحكيم ونسأل اللّه أن يجعل مقامه في ‬مصر محموداً ‬عائداً ‬عليه بالصّحّة والعافية آمين.“*2*

ولا شكّ عندي أن أكثر قرّاء الأهرام والمؤيّد لم يكونو على علم بأن عبد البهاء قضى ما ناهز السّتين عاماً من عمره راحلاً من منفى إلى آخر حتى استقرّ به المقام في سجن عكا منذ عام ١٨٦٨ باتّفاق ثلاثة من شرّ طغاة الشّرق الأوسط: ناصر الدّين شاه إيران القاچاريّ، والسّلطانين عبد العزيز وعبد الحميد من سلاطين آل عثمان.
فحَرَم ثلاثتُهم عبد البهاء منذ طفولته من التّعليم المدرسيّ اكتفاءً بما تلقّاه عن والده الجليل، وبما سمحت به حياة المنفى والسّجن من اطّلاع شخصيّ متقطّع، كما فرضوا عليه – بعد اليُسر الذي عرفه في طفولته – حياةً طويلةً في الفاقة، مغترباً، مستضاماً، أسيراً محاطاً بكيد أعدائه، تلوكه ألسن المفترين. وما ذلك إلاّ جزاء إعلان والده الجليل في ١٨٦٣ أنّه حامل دعوة جديدة. وخلال النّيّف والأربعين عاماً التي قضاها ذلك السّجين خلف أسوار عكا الحصينة – مآل المغضوب عليهم من الباب العالي – في ظروف شديدة القسوة، ومعاملة وحشيّة، تناوبت عليه الأمراض وأحالت سنوات شيخوخته إلى آلام لا يكاد يحتملها هيكله البشريّ، إلى أن حرّرت حركة الاتّحاد والتّرقي – بعد سقوط عبد الحميد الثّاني – السّجناء الذين لم يثبت عليهم ارتكاب أيّ ذنب. وكان ذلك قبل عامين فقط من حضوره إلى مصر.
وبذلك الفَرَج أتيح للعالم أن يغترف من نبع الحكمة ذاك، باذر بذور الوحدة والوفاق، سراج صوامع الهدى، كاشف مكنون الكَلِم الإلهيّ، مُجسّد القيم الأخلاقيّة المُثلى، وآن لأهل العالم في الشّرق والغرب أن يستمعوا إلى نداء المحبّة المرتفع من آفاق هداية ربّانيّة جديدة، ولكن بالقدر الذي يَسَّرَته السّنوات الباقية من عمره بعد أن أشرف على السّبعين. لذا اغتنم صفوة المجتمع المصريّ – بعد بضع أسابيع فقط من وجوده بينهم – فرصة زيارته والتفّوا حول ذلك النّبراس المنير، كما جاء في وصف الأهرام:”لا يزال فضيلة عبّاس أفندي رئيس البابيّين موضوع التّجلّة والإكرام في الأسكندريّة، يزور ويزار من كبراء القوم والعلماء والأعيان… إنّ عبّاس أفندي زائرنا الكريم، هو من عائلة عريقة في الحَسَب والنّسَب في بلاد فارس، وهو ابن ساكن الجنان بهاء اللّه … وهو خليفة والده. أمّا أخلاقه وصفاته فهو مثال الرّصانة والشّهامة، وعنوان اللّطف وكرم الأخلاق، أبيّ النّفس، محبّ للخير والمبرّات، رقيق العواطف شريفها، يرأف بالفقير، ويواسي المسكين، ولا فرق عنده بين الأديان مهما تعدّدت فالمسلم، والمسيحيّ، واليهوديّ، والبرهميّ، على السّواء لديه، ينظر إلى جامعتهم الإنسانيّة لا إلى مذاهبهم الخصوصيّة“*3*
لم يكن عبد البهاء عازماً على البقاء في مصر، وعندما أبحر من بورسعيد بعد شهر من وصوله إليها كان قاصداً إلى مدينة مرسيليا، ولكنّه تبيّن أن صحّته لا تتحمّل عناء هذا السّفر، واضّطر إلى التّوقف عندما رست الباخرة في الأسكندريّة، راجياً أن يستشفي بعض الوقت في مصر، ويستجمع من القوّة البدنيّة ما يعينه على سفر طويل سيدوم ثلاث سنوات في حركة دائبة يزور خلالها المدن الرّئيسة في كل من أوروپا الغربيّة، وأقاليم البلقان، وولايات أمريكا الشّماليّة، وكندا. ولكن توقّفه في مصر أتاح له زيارة بعض المدن المصريّة مثل القاهرة وضاحية الزّيتون، والمنصورة، والاسماعيليّة، وأبو قير.
فماذا كانت الدّوافع من وراء تصميم عبد البهاء بكلّ حزم وإصرار على هذا السّفر المضني بالوسائل المحدودة التي لم يتجاوزها العالم في القرن الماضي مع ما ينطوي عليه من مخاطر قد تودي بحياته؟ وماذا كان همّه الشّاغل إبّان تنقّلاته؟ وماذا كانت نتائج هذا السّفر الذي امتدّ من أواسط الأرض إلى أقاصيها؟
هذا ما سيجده زوّار هذا الموقع معروضاً في تدرّج متّسق مع مراحل هذا التّرحال، مبتدئين بالبواعث التي حملت عبد البهاء على المجازفة بحياته وحمل خطوب هذه الرّحلة، التي افتتحت عهداً جديداً ينصت فيه أهل الغرب – على غير عادةٍ – لصوت من الشّرق يدعوهم للتخلّي عن الحروب المدمّرة، ويحثّهم على نشر محبّة الإنسان لأخيه الإنسان في ظلّ اتّحاد بشريّ قوامه الصّدق والعدل والتّآزر، ويحذّر زعماء العالم من مغبّة حرب وشيكة الوقوع لن تبقي ولن تذر. فكانت كلماته المتبسّطة التي ردّدت صداها صوامع ومعابد ومساجد أوروپا وأمريكا، وقاعات جامعاتها ونواديها، إنجازاً كلّل حياةً نَشَدَت التّفاني في خدمة الورى، وأشعّت الهدى على العموم، وواصلت البذل والعطاء بسخاء حتّى نهايتها.
أوضح شوقي أفندي، في عرضه لأهمّ تفاصيل هذه الرّحلة ونتائجها جانباً من البواعث التي ألهمت عبد البهاء القيام بهذه الأسفار، مبيّناً أنّ تأسيس الدّين البهائيّ في النّصف الغربيّ من الكرة الأرضيّة يُعتبر أعظم وأروع الفتوحات الدّينيّة، وسيظلّ مقترناً بولاية حضرة عبد البهاء، وهو إنجاز أطلق في العالم قوىً هائلةً، وأحرز نتائج بعيدة المدى، صوّغت اشتراكه شخصيّاً وفعليّاً في الإقدامات الّتي كان حواريّوه في الغرب مثابرين بتضحية وبسالة على تنفيذها بكلّ همّة ونشاط، بفضل الزّخم المنطلق من العهد والميثاق الإلهيّ.
فالباعث الأوّل لسفر عبد البهاء كان دعم جهود البهائيّين في الغرب، إلاّ أن ما أسفرت عنه مشاركته الفعليّة تعدّى حدود الدّعم، بما فتحته دعواته وبياناته من أفاق فكريّة لا سابق لها في تاريخ الأديان، ولا مثيل لها في ما قدّمه أئمّة الفكر. وهذا جزء ممّا سيسعى هذا الموقع إلى تقديمه بالتّوالي، إحياءً لذكرى مرور قرن على ذلك الحدث التّاريخيّ.
عبد البهاء عباس أفندي: ولد في طهران (1844) لحسين علي النوري (1817ـ 1892) الملقب ببهاء الله، صاحب الرسالة البهائية التي تحث أتباعهما على الإيمان بالله الواحد الأحد الذي لا شريك له، لكن تعاظم نقمة الامبراطوريتين الفارسية والعثمانية على دعوة بهاء الله البابية (نسبة الى الباب لقب صاحب الدعوة) قضت بنفيه وعائلته الى قلعة السجن في عكا، ومنذ سن مبكرة أخذ عباس أفندي يتحمل نيابة عن والده السجين مسؤوليات الدعوة. في 1904 عيّن السلطان عبد الحميد لجنة في الآستانة تتوجه الى عكا للتحقيق مع عباس أفندي ثم تبعتها لجنة ثانية في 1907، فما ان كان الانقلاب العثماني (1908) حتى تحرر عباس أفندي ودعا في يوم النوروز من 1909 الى حفل مهيب فدفن بنفسه رفات الباب الشهيد عند سفح جبل الكرمل.
ولما أزفت الحرب الأولى طلب عباس أفندي من أتباعه وأهل بيته التوجه الى قرية أبو سنان، على سفح جبل شرقي عكا، فيما بقي عباس أفندي يتنقل بين حيفا وعكا يحرس ضريحي الباب وبهاء الله، وفي أبو سنان كان هناك مدرسة ابتدائية بهائية تحت إشراف بديع بشروئي (والد المؤلف) أحد خريجي الجامعة الأميركية في بيروت (ليسانس 1914، ماجستير 1917)، وفيما مستوصف طبي بإشراف حبيب الله مؤيد خريج الطب في سنة افتتاح المدرسة.
عند منتصف القرن التاسع عشر برزت حاجة ملحة الى المصالحة بين الإيمان والعقل والفكر الديني والكشف العلمي وبين القضايا الفقهية والمسائل الفلسفية، وتزامن ذلك مع قيام عباس أفندي، بأمر صادر من أبيه بهاء الله، بوضع رسالة يوضح فيها الوسائل التي يمكن لشعوب الشرق من خلالها ان تنهض من كبوتها وتخرج من ظلام التخلّف والانحطاط الحضاري لتتبوأ مكانها اللائق بين شعوب العالم. عرفت هذه الرسالة طبقا لمحتواها بالرسالة المدنية، فرسمت، بأسلوب شائق ونهج جذاب، معالم الحضارة التي ارسى قواعدها مؤسس الدين البهائي بهاء الله، وهي رسالة أتمها عباس أفندي في العام 1875 وهو لا زال نزيل سجن قلعة عكا في صحبة والده بهاء الله. في هذه الرسالة إلحاح على ان الأمم الشرقية والغربية جميعها دائنة ومدينة في تراث الحضارة الإنسانية وانه ما من أمة لها تاريخ مجيد إلا وقد أعطت كما اخذت من ذلك، وان العالم يتجه اليوم أكثر فأكثر الى ان يكون موحد الحضارة، متعدد الثقافات. فبالأمس كانت هناك حضارات، وفي جملتها او حتى في مقدمتها، الحضارة العربية الإسلامية، فيما اليوم لم يعد ثمة وجود إلا لحضارة واحدة هي الحضارة العالمية، على ان صفة التعدد ما عاد يمكن اطلاقها إلا على الثقافات التي هي بالضرورة قومية على هذا النحو فإن «الرسالة المدنية» بحث في علم الأخلاق، أي المبادئ والقيم والمثل التي على المجتمع ان يتخذها دستوراً في المعاملة.

العقاد فى بيت عبد البهاء

كتب عباس محمود العقاد عن زيارته لحضرة عبد البهاء فى منزله بالاسكندرية فى مجلة الهلال عدد يناير 1930م

 

 

 

 

نص المقال
“ساعة مع عبد البهاء “
قمت بزيارة عبد البهاء مع أحد اصدقائى فى منزله الذى يقيم فيه بضاحية باكوس بالإسكندرية فلما دعينا إلى مجلسه إذا شيخ وقور اشيب يلوح عليه سمة الحنكة والعلم أكثر من سمت النسك والنبوءة . وكان يكتب رسالة علمنا فيما بعد انها مكتوبة إلى شوكت باشا وزير الحربية التركية فحيانا تحية جميلة ، وأشار إلينا بالجلوس فجلسنا ومضى يتم إملاء الرسالة حتى فرغ منها وجىء لنا بأقداح الشاى  يحملها رجلا من أثرياء الفرس فوقف حتى شربنا وقفه المتهيب الخاشع ، ثم أخذ الأقداح متراجعا وهو يستقبل عبد البهاء بوجهه حتى خرج من الباب .

وكانت السماء تمطر رذاذا ثم تدفق المطر غزيرا نحونصف ساعة ثم هم بالاقلاع ، وكنا فى غرقة أو شرفة – مسورة بالزجاج مقفلة النوافذ نطل منها على حديقة الدار وننظر إلى الأشجار يتلاعب بها الهواء يوقظنا من سبات وقال “سبحان الله لكل شىء رزقه ، فحيثما كان الشجر نزل إليه المطر

فقلت : << أو حيثما كان المطر نبت هناك الشجر . >>

فنظر إلى متأملا وقال : << أو هو كذاك >>

فقلتُ وفي نفسي عراك الآراء الكثيرة والأقوال المتضاربة يغريني بالجدل والاستقصاء: ”فأيّ القولين أقرب؟“
فقال في نغمة لا تفارقها الأناة والسّكينة: ”كلاهما قريب، وكلاهما صحيح“ ثم صمت قليلاً وعاد يقول: ”ننظر إلى الأقوال من حيث تتّفق لا من حيث تفترق، فنرى بين كلّ قولين صلة وإن ظهرا مختلفين متباعدين“
واسترسل في تلك النّغمة التي لا تفارقها الأناة ولا يلوح عليها التّعب: تعب الرّجل الذي تكرّر علمه بهذه الحقيقة مرّات، وتكرّر إرشاده النّاس إليها مرّات، فجعل يقول: ”كم من خلاف بين النّاس هو أدنى إلى الوفاق! أليست الأديان كلّها من معدن واحد؟ أليست الأمم كلّها من عنصر واحد؟ ولكنّهم يختلفون، لماذا؟ لأنّهم لا يعرفون كيف يتّفقون.
وهنا اغتنمتُ هذه الفرصة وقدمتُ إليه كتابي ”خلاصة اليوميّة“ الذي طبعتُه قُبيل ذلك بأسابيع قليلة… وقلت في صفحتها الأولى عن الجامعة الانسانية: إنّ انفراد كلّ صقع بخصوصيّة تميّزه من سواه وتقدّم النّاس إلى الاشتراك جميعاً في الحاجة إلى تلك الخصوصيّات حسب اتّساع مطالبهم وتقدّم العمران، مما يدلّ على أنّ كلّ النّاس مرتبطون بكلّ الأرض وأنّ حواجز الأوطان ستنطمس معالمها لتصير الأرض الوطن العام لنوع الانسان. وهذه الحركة الاقتصاديّة التي جاذبت بين أبعد الشّعوب لتبادل المنفعة ستؤدّي حتماً إلى توحّد المصالح العامّة بين الأمم بحيث تتضامن كلّها في الانفعال بالعوامل الاقتصاديّة التي تؤثّر على بعضها، وهو ما يؤذن بانقضاء الحروب وسيادة السّكينة والسّلام.
ومازالت العوامل الاجتماعيّة منذ القدم تقذف بالانسان في دائرة أشبه بزرد الماء يتّسع محيطها شيئاً فشيئاً فيشمل في كل دور ما كان خارجاً عنه في الدّور الذي تقدّمه. فإنّ تكوّن القبيلة من العائلة، والشّعب من القبيلة، والأمّة من الشّعب، والجامعة من الأمّة – يؤذن بأنّ الخطوة التّالية ستتقدّم بنا إلى الغاية التي طالما اشتغل كبار المصلحين لتحقيقها، وهي دخول أمم الأرض جمعاء تحت لواء جامعة واحدة، هي الجامعة الانسانيّة.
فناولتُه الكتاب وأنا أشيرُ إلى مكان هذه الجملة، فتقبّله قبولاً حسناً وقرأ الجملة منعماً ثم ردّد: ”إن شاء اللّه! إن شاء اللّه. أحسنت، أحسنت“
وكأنّه أحسّ نزعتي إلى التّفسير الاقتصاديّ الذي كان غالباً عليّ في تلك الفترة فقال: ولكنّ العالم الآن مستغرق في المادّة ولا سبيل إلى السّلام إلاّ من جانب الرّوح، العالم لا يطير إلاّ بجناحين جناح من المادّة وجناح من الرّوح، وهو الآن بجناح واحد ويعوزه الجناح الآخر، فهو منقسم على نفسه لا يبلغ كماله حتى تتّفق فيه المطالب الماديّة والمطالب الرّوحية، أمّا إذا سار حيث يسير الآن فستحلّ به وقانا اللّه وإياكم نكبة مرهوبة تزلزله حيناً وتفتح عينيه على الصّراط المستقيم، ولكن بعد أهوال لا تطاق.“
كان ذلك قبل الحرب العالميّة بسنتين… فكأن عبّاس أفندي كان ينذر سامعيه بالنّكبة الكبرى ويعيد هذا النّذير كلّما عرضت له مناسبة، ولا نشكّ في أن أتباعه يعدّون ذلك من النّبوءات الصادقات.ولا أدري كيف تطرّق بنا الحديث إلى قصة الزباء وما إليها من قصص العرب والفرس فإذا عبّاس أفندي مطّلع على هذه النّاحية من التّاريخ أحسن اطّلاع. إلا أنّني أذكر أنّنا تحدّثنا عن الشّرق والغرب وما بينهما من الخلاف المستحكم في العصر الحاضر وما كان للشّرق من المجد القديم، فساقنا الكلام على ما أظن إلي تلك القصص التاريخيّة وتنقّل إليها عبّاس أفندي ترويحاً لسامعيه. وكانوا يزدادون لحظة بعد لحظة، فأمسك عن الخوض في المباحث الفكريّة واستطرد إلى القصص التي يألفها جميع السامعين.
على أنّ أحد الحاضرين فاتحه مقتحماً الكلام في مسائل الأديان المنزّلة والفرق بين الاسلام والمسيحيّة فلم يسترح إلى هذا الاقتحام كثيراً ولكنّه قال على ما أذكر أن عيسى هو روح اللّه عند المسيحيين وعند المسلمين، وأن نبوءات المسيحيّة تشير إلى ما بعدها من رسالات الانبياء، فكلهم سواء في عبادة اللّه، وسواء في جوهر العقيدة، والخلاف في الظواهر لا يصح أن يلغي كل ذلك الاتفاق بين هذين الدّينين، بل بين جميع الأديان… فاستأذنّاه في الانصراف حين بدأ الزّائرون يتكاثرون على أمل العودة إليه في فرصة أخرى، ولكنّنا اضّطررنا إلى السّفر العاجل عقيب ذلك فلم نستطع أن نعود إليه.“ *3*

ما ذكره العقّاد عن إشارة عبد البهاء إلى «نكبة مرهوبة تزلزل [العالم] حيناً وتفتح عينيه على الصّراط المستقيم ولكن بعد أهوال لا تطاق» وعن استغراق العالم في المادّيات بينما «لا سبيل إلى السّلام إلاّ من جانب الرّوح» جاء على نحو مقتضب لا يفصح بوضوح عن المقصود، بينما للموضوعين من الأهميّة في وقتنا الحاضر بحيث يدعون لإيضاحهما وتفصيلهما الذي أفاض بهما عبد البهاء في أحاديث أخرى، ويجد القارئ عرضاً مستفيضاً

 

Source : ABN Bahá'í News

For more details, followed ABN Bahá'í News Facebook Page

https://www.facebook.com/ABN.BahaiWorldNews/

اكتب ايميلك هنا Enter your email address:

Delivered by FeedBurner

To get a copy of this article or to contact the administration of the site .. Write to the editorial department on this email abnnews.net@outlook.com

This website is independent ... and is NOT the official site of the worldwide Bahá'í community.. and it is issued by an independent media agency for a major press company specializing in the field of journalism and media. We are specialized in the field of journalism and media .. This site is one of the publications of an independent European media institution with dozens of versions of the media read and audio-visual .. We offer the news and the abstract truth, as a team working one aim to serve the human world, away from appearing and polishing.

هذا الموقع مستقل ..وغير تابع للموقع البهائي العالمي .. ويصدر عن جهة اعلامية مستقله لشركة صحفية كبري متخصصة في المجال الصحفي والاعلامي . وهذا الموقع هو أحد اصدارات مؤسسة اعلامية أوروبية مستقلة لها عشرات الاصدارات من وسائل الاعلام المقروءة والسمعية والبصرية .. ونقدم الخبر والحقيقة مجردة من الأهواء الشخصية كفريق عمل واحد هدفه خدمة العالم الانساني بعيدا عن الظهور والتلميع.

Be the first to comment

Leave a Reply