( ادخلوها بسلام آمنين ) وقصة اعلان دعوة (حضرة الباب )الامام الثاني عشر وسلطان الرسل

ABN Bahá'í News :


ABN NEWS

وقائع إعلان الدعوة

كما جاء فِي كتاب “مطالع الأنوار” تاريخ النّبيل الزّرندي

“… سافر الملاّ حسين ومعه رفيقاه إلى النّجف وكان سفره من كربلاء ليلاً وبعد زيارة مشهد النّجف

واصل سيره إلى بوشهر عَلَى الخليج الفارسيّ، وهناك ابتدأ يسأل عَنْ محبوب قلبه وفيها استنشق

طيب الأنفاس التي عبقت ممّن كان يقطن تلك المدينة مشتغلاً فيها كتاجرٍ بسيط، وشاهد روائح القدس

التي ملأت أرجاء تلك المدينة من أثر مناجاة المحبوب.

ولكنّه لم يقدر عَلَى المكث كثيرًا فِي بوشهر، وأحسّ أن شيئًا يجذبه بقوّة إلى الشّمال نحو شيراز حتّى

إذا وصل إليها طلب من رفيقيه أن يذهبا إلى مسجد إيلخاني وينتظراه هناك إلى أن يلحقهما،

وأخبرهما أنّه سوف يصلّي معهما صلاة المغرب إن شاء الله.

وفي ذلك اليوم بينما كان الملاّ حسين يتمشّى قبل الغروب ببضع ساعات خارج سور المدينة إذ بصر

فجأة بشاب وضّاح الجبين لابسًا عمامة خضراء قد أقبل عليه وحيّاه بابتسامة مرحّبًا بوصوله

بالسّلامة، وعانق الملاّ حسين بمحبّة وإخلاص كأنّه صديق قديم، وكان الملاّ قد ظنّه فِي أوّل الأمر أحد

تلاميذ السّيّد كاظم وأنّه حضر للتّرحيب به بعد أن سمع بسفره إلى شيراز.

وممّا قصّه الميرزا أحمد قزويني الشّهيد عَلَى المؤمنين ما سمعه من الملاّ حسين مرارًا من كيفيّة مقابلته

للباب تلك المقابلة التّاريخيّة العظمى وتتلخّص فِي الآتي: “إنّ الشّاب الذي قابلني خارج أبواب شيراز

أدهشني بإشارات محبّته وألحّ فِي دعوتي لزيارته لأستريح قليلاً من وعثاء السّفر، وسألته أن يعفيني

من ذلك لأن رفيقيَّ قد عملا ترتيبًا لنزولي فِي هذه المدينة وهما بانتظار رجوعي، فقال: (اتركهما لحراسة

الله فهو لا شكّ حافظهما). ولمّا تفوه بذلك أمرني باتّباعه، وكنت قد تأثّرت جدًّا من اللّطف الّذي واجهني

به أثناء محادثته ولما تتبّعته ازداد تعجّبي من هذه المفاجأة ومن حُسنِ ذوقه وحلاوة صوته وكمال

هيئته، ولم تمضِ بُرهة وجيزة حتى وجدتُ نفسي عند باب منزل ظريف طرق بابه ففتح له خادمٌ حبشيّ

ولمّا دخل عَلَى العتبة أمرني باتّباعه قائلاً: (ادخلوها بسلام آمنين). وكَانَتْ تحيّته بقوّة وجلال نفذا إلى

أعماق قلبي واستبشرت خيرًا من الفال الحسن الصّادر من هذه الكلمات الّتي خاطبني بها وأنا واقف

عَلَى عتبة باب أوّل منزل دخلته فِي شيراز تلك المدينة التي سبق أن طفح السّرور عَلَى قلبي من تأثير

جوّها سرورًا لا مزيد عليه، وقلت فِي نفسي لعلّي أصل إلى بغيتي أو تقرّبني هذه الزّيارة

إلى من أبحث عنه وتقصّر عليّ مدّة انتظاري وبحثي الشّاق، وإذ دخلت المنزل وتبعت مضيفي إلى

غرفته شعرت بسرور لا مزيد عليه، وبمجرّد أن جلسنا أمر بالطّشت والإبريق وأمرني أن أغسل يديّ

وقدميّ من وعثاء السّفر فاستأذنت منه لأغسل فِي الغرفة المجاورة ولكنّه رفض وشرع يصبّ الماء بنفسه

عَلَى يديّ، ثم ناولني مشروبًا لطيفًا وطلب السّماور وجهّز الشّاي بنفسه وناولني منه، وبعد أن غمرني

بلطفه طلبت منه الانصراف وقلت بأن صلاة المغرب قد اقتربت ووعدت أصحابي أن ألتحق بهم فِي

مسجد إيلخاني، فبكلّ احترام وهدوء أجابني: (لا بدّ وأن تكون قد علّقت عودتك عَلَى مشيّة الله ويظهر

أنّه ما أراد ذلك، فلا تخف من خلف الوعد). وكان بهاؤه واطمئنانه قد أسكتني وقمت فأعدت وضوئي

وابتدأت فِي الصّلاة، وأخذ هو أيضًا يصلّي بجانبي وأثناء الصّلاة ارتاحت نفسي من تحيُّرها من

غرابة هذه المقابلة ومن البحث الذي تعلّقت به وشرعت أثناء الصّلاة أقول: (يا إلهي لم آلُ جهدًا فِي

البحث وللآن لم أوفّق لضالتي المنشودة ورسولك الموعود وإنّ وعدك الحقّ وإنّك لَنْ تخلف الميعاد).

وكَانَتْ تلك اللّيلة العشيّة السّابقة عَلَى 5 جُمادى الأول سنة 1260 الموافق ليلة الثّالث والعشرين من شهر

أيّار 1844، وكان مضيفي الشّاب ابتدأ يحادثني بعد المغرب بنصف ساعة وسألني إذ ذاك قائلاً:

(من ذا الذي تعتبره خلفًا للسّيّد كاظم رئيسًا لكم ؟ ).

فأجبته بأن السّيّد عندما حانت منيّته نصحنا بشدّة أن نترك أوطاننا ونتفرّق فِي كلّ مكان طلبًا

للمحبوب الموعود، ولذلك سافرت إلى إيران وقمت لتنفيذ إرادته وللآن لا أزال مشتغلاً بالبحث). فسألني:

(هل أعطاكم معلّمكم أوصافًا مفصّلة وامتيازات فِي موعودكم) ؟

فقلت:

(نعم فإنّه من السّلالة الطّاهرة والعترة النّبويّة ومن ذرّيّة فاطمة وأمّا سنّه فأكثر من العشرين وأقلّ من

الثلاثين، وعنده علم لدنّيّ وهو متوسّط القامة ويمتنع عَنْ شرب الدّخان وخالٍ من العيوب والعاهات

الجسمانيّة).

فسكت هُنيهة ثمّ قال بصوت جهوريّ:

(انظر هل ترى هذه العلامات فِي شخصي).

ثم عدّد العلامات وأظهر أنّها جميعها تنطبق عليه فحصلتْ عندي دهشة كبيرة وقلت له فِي أدب:

(إنّ الّذي ننتظره هو شخص قدسيّ ليس فوق قداسته قداسة ويظهر من الأمر ما له قوّة فائقة، وشرائطه

وعلائمه عديدة فكم أشار السّيّد إلى سعة علمه وكم كان يقول: (إن علومي بالنسبة لعلمه كقطرة من بحر

ممّا وهبه الله، وإنّ جميع ما حصّلته لم يكن إلا كذرّة من التّراب فِي مقابلة اتّساع معارفه والفرق بينهما

شاسع). وما كدت أتفوّه بهذه الكلمات حتّى شعرتُ بالخوف والخجل بدرجة لم أتمكّن من إخفائها،

ووبّختُ ضميري وعزمتُ عَلَى تغيير أسلوبي وتخفيف حدّتي، وعاهدتُ الله بأنّه لو عاد للموضوع فإنّي

أقول له بكل خضوع: (إذا أردتَ أن تؤسّس دعوتك فإنّك تخلّصني ولا شكّ من عبء الانتظار والتّوقّف

الّذي أثقل كاهلي وأكون مدينًا لك لهذا الخلاص). وكنت فِي ابتداء طلبي وبحثي قد جعلت أمام عينيّ

علامتين أعرف بهما صحّة دعوى القائم، وهما أوّلاً رسالة ألّفتها تختصّ بالأمور والأحوال الغامضة

والأقوال المتشابهة والتّعاليم الباطنيّة الصّادرة من الشّيخ أحمد والسّيّد كاظم وصمّمت عَلَى أنّ الذي

يحلّ معضلات هذه المسائل اسلّمه زمام أمري، وثانيًا أن أطلب منه أن يملي عليّ تفسيرًا لسورة يوسف

بلغة وطريقة مغايرة للأصول المعروفة فِي زماننا، ذلك لأنّي سبق أن طلبت من السّيّد تفسيرًا لهذه

السّورة فامتنع قائلاً: (إنّ هذا ليس فِي مقدوري فإنّ الذي يأتي بعدي وهو أعظم مني سيكتب تفسيرًا

لها بدون أن يطلبه أحد، وهذا التّفسير هو أكبر الأدلّة عَلَى رفعة شأنه وعلوّ مقامه وأكبر شاهد عَلَى

صدق دعوته).

وبينما كُنتُ مشتغلاً بحلّ هذه الأمور فِي عقلي قال لي مُضيفي مرّة أخرى:

(أنعم النّظر هلاّ يمكن أن يكون الشّخص الذي يعنيه السّيّد كاظم إنّما هو أنا).

فاضطررت إذ ذاك أن أقدّم له نسخة من الرّسالة التي كَانَتْ معي وسألته:

(هل لك أن تقرأ هذا الكتاب وتتصفّحه بعين الرّضا وتصفح عمّا تجده فيه من ضعفي وتقصيري).

فأجابني إلى طلبي وفتح الكتاب ونظر فِي بعض صفحاته، ثم أغلقه وابتدأ يخاطبني وفي ظرف بضعة

دقائق كشف لي عَنْ جميع الأسرار الّتي فيه وحلّ جميع معضلاته ولما أتمّ ما أردته فِي برهة قصيرة فسّر

لي أيضًا كثيرًا من الحقائق الّتي لم توجد فِي أقوال الأئمّة ولا فِي كتابات الشّيخ أحمد ولا السّيّد كاظم،

وهذه الحقائق الّتي لم أسمعها مِنْ قَبْلُ كَانَتْ تُتلى بطلاوة مُبهِجة وقوّة فائقة  

ثم قال لي:

(لو لم تكن ضيفي لكان موقفك خطيرًا ولكنّ الرّحمة الإلهيّة شملتك، فإنّ لله أن يمتحن

عبيده وليس للعبيد أن يمتحنوه بما عندهم من الموازين، ولو كنتُ فرضًا لم أحلّ لك هذه

المعضلات فهل تعتبر الحقيقة المشرقة فِي باطني عاجزة أو تتّهم علمي بالنّقص، حاشا لله بل

ينبغي فِي هذا اليوم لملل الأرض فِي الشّرق والغرب أن يسرعوا إلى هذه العتبة وعندها

ينشدون فضل الرّحمن، وكلُّ من يتردّد فِي ذلك فهو فِي خسران مبين، أفلا يشهد أهل الأرض أنّ

الغرض الأصليّ من خلقهم إنّما هو معرفة الله وعبادته، إذًا ينبغي لهم أن يقوموا بأنفسهم

ويبذلوا الجهد كما قمت أنت ويطلبوا بالاستقامة والثّبات محبوبهم الموعود).

ثم شرع يقول:

(والآن وقت إنزال التّفسير لسورة يوسف).

وأخذ قلمه وبسرعة لا تكاد تُصدّق نزّلت سورة المُلك وهو أوّل باب من تفسيره عَلَى سورة يوسف، وكَانَتْ

قوّة تأثير كلماته قد زادتها حلاوة الصّوت الذي كان يتلوها به، ولم يتوقّف لحظة أثناء تلاوة الآيات

التي نزّلت من قلمه حتّى تمّت السّورة، وكنت جالسًا استمع مأسورًا من سحر صوته وقوّة بيانه، وأخيرًا

قُمتُ وأنا أقدّم رجلاً وأؤخّر أخرى واستأذنت منه فِي الانصراف، فأمرني بابتسامة بالجلوس قائلاً: (إذا

انصرفت عَلَى هذه الحال فإنّ كلّ من يراك يقول إنّ هذا  الغلام قد فقد رشده). وكَانَتْ السّاعة إذ ذاك اثنين

وإحدى عشرة دقيقة بعد الغروب من اللّيلة الخامسة والسّتين بعد النّوروز أو هي تطابق ليلة اليوم

السّادس من خرداد سنة نهنك ، ثم قال لي:

(إنّ هذه اللّيلة وهذه السّاعة سيُحتفل بها فِي الأيّام الآتية كأعظم الأعياد وأهمّها،

فاشكر الله الذي أوصلك إلى مرغوب قلبك وأشربك من رحيق كلامه المختوم، طوبى للّذين هم إليه

واصلون).

وفي السّاعة الثّالثة بعد الغروب أمر مضيفي بتجهيز العشاء، وظهر الخادم الحبشيّ وأحضر أمامنا

أشهى طعام ممّا أبهج جسمي وروحي معًا، وشعرتُ كأنّي أتناول من فواكه الجنّة وكنت أكبر أخلاق

هذا الخادم الذي كأنّ حياته قد تجدّدت من تأثير سيّده ومن ذلك عرفت معنى الحديث الشريف

(أعددت لعبادي الصّالحين ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خطر عَلَى قلب بشر)

ولو لم يكن عند مضيفي سوى ما قابلني به من الكرم والمحبّة التي أقنعتني أنّها لا تصدر أبدًا من أيّ

مخلوق آخر لكان ذلك شاهدًا كافيًا للدّلالة عَلَى عظمته، ومكثتُ جالسًا مسحورًا من حديثه ناسيًا الوقت

ومن كانوا عَلَى انتظار عودتي، ولم أنتبه من النّشوة التي وقعتُ فيها إلّا عَلَى صوت المؤذّن بغتة يدعو

المؤمنين إلى صلاة الصّبح، وفي تلك اللّيلة شعرت بجميع المسرّات والنّعم الّتي ذكر الله فِي كتابه أنّه

يهبها لأهل الجنّة وأحسست أنّي فِي مكان

(لايمسّنا فيه نصب ولا لغوب) ويصدق عليه قوله تعالى

﴿لا يسمعون فيها لغوًا ولا تأثيمًا إلا قيلاً سلامًا سلامًا﴾ و ﴿ دعواهم فيها سُبْحَانَكَ اللّهم وتحيّتهم فيها

سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله ربّ العالمين﴾.

وفارقني النّوم تلك اللّيلة فكنت أُعير أُذنًا صاغية لنغمات صوته فِي صعودها وهبوطها أثناء نزول

قيّوم الأسماء (وهو تفسير الباب لسورة يوسف) متلذّذًا من ترنّمات مناجاته الّتي كان يتلوها فِي

صلواته وكان بين كل مناجاة وأخرى يكرّر الآية

﴿ سبحان ربّك ربّ العزّة عمّا يصفون وسلام عَلَى المرسلين والحمد لله ربِّ العالمين.

ثم التفت إليّ وخاطبني بقوله: (يا من هو أوّل من آمن بي حقًّا إنّني أنا باب الله وأنت باب الباب، ولا بدّ

وأن يؤمن بي ثماني عشرة نفسًا من تلقاء أنفسهم ويعترفون برسالتي وسينشدني كلّ منهم عَلَى

انفراد بدون أن يدعوهم أحد أو ينبّههم إليها، وعندما يتمّ عددهم يجب انتخاب أحدهم لمرافقتي فِي

الحجّ إلى مكّة والمدينة، وهناك أبلّغ الرّسالة الإلهيّة إلى شريف مكّة ثم أرجع إلى الكوفة وفي مسجد تلك

المدينة أُظهر الأمر وعليك الآن أن تكتم عَنْ أصحابك وعن كلّ شخص آخر وواصل الانقطاع فِي مسجد

إيلخاني وواظب عَلَى الدّرس فيه واحذر أن تُظهِر َمكنون هذا السّرّ من سلوكك أو هيئتك إلى وقت

مفارقتي للحجاز، وسأعيّن لكلّ من الثّماني عشرة نفسًا رسالته ومهمّته وسأعرّفهم كيفيّة تبليغ كلمة الله

وإحياء النّفوس). ولمّا أتمّ هذه الكلمات أمرني بالانصراف ورافقني إلى الباب وجاءت هذه الرّسالة عليَّ

غرّة كالصّاعقة التي خدّرت جميع قواي وقتًا ما، وكان بهاء إشراقها يخطف الأبصار وأخذتني قوّتها

السّاحرة وحرّكت أعماق قلبي بشدّة الفرح وفرط التّعجّب والدّهشة والخوف، وكان الحبور هو الغالب

عليّ من جميع هذه الإحساسات وكذلك القوّة، فإنّهما أخذا بمجامع قلبي واستوليا عَلَى هيكلي ولبّي،

فكم كُنْتَ أحسّ بالضّعف والإهمال والجبن قبل ذلك، وما كُنْتَ أقدر عَلَى الكتابة ولا عَلَى المشي وكَانَتْ

يداي ورجلاي ترتعشان عَلَى الدّوام، ولكنّ معرفة أمره بعد ذلك كهربت جسمي وأحسست بوجود قوّة

وشجاعة لا يقدر العالم بأجمعه عَلَى مقاومتها بل لو اجتمع أهل الأرض وما عندهم من قوّة لرأيت فِي

نفسي من الجسارة ما أقاوم به هجومهم وحدي، فكان الوجود أمامي كقبضة  من تراب فِي يدي وكأنّ

جبريل قد تجسّد فيّ وهو ينادي العالمين:

(تنبّهوا أيّها الأقوام فقد انبلج نور الصّباح ولاح الأمر وفُتحت أبواب الرّحمة لتدخلوا فيها لأنّ الموعود

الّذي وعدتم به قد ظهر).

وعلى هذه الحالة تركتُ المنزل وعدتُ إلى أخي وابن عمي ورأيتُ الكثيرين من أتباع الشّيخ أحمد ممّن

بلغهم خبر حضوري فِي مسجد إيلخاني أتوا لمقابلتي، وطبقًا لإرادة محبوبي قمتُ لتنفيذ رغبته ولما

رتّبتُ الدّرس اجتمع حولي الكثيرون وجاء لزيارتي وجهاء وعلماء المدينة وكان الجميع قد أُعجبوا من

الرّوح التي كنتُ أُلقي بها الدّرس غير عالمين بأنّ المنبع الذي صدرت عنه إنّما هو ذلك الموعود الذي

ينتظرونه بشغف. وفي هذه الأثناء كان الباب يدعوني لزيارته ويرسل لي ذلك الخادم الحبشيّ برسالة

المحبّة والتّرحيب، وكلما زرته كنتُ أصرف اللّيل بتمامه عنده وأبقى متيقّظًا إلى مطلع الفجر تحتَ

أقدامه مبهوتًا من حلاوة حديثه متناسيًا الدّنيا وما فيها، وكَانَتْ تمرّ تلك السّويعات كالبرق الخاطف ولا

أفارقه إلا فِي الفجر بعد التردّد وكنت كلّ يوم أنتظر المساء بشغف حتّى إذا دنا الفجر امتلأت حزنًا

وأسفًا لفراقه، وقال لي مضيفي ذات ليلة سوف يأتي باكرًا ثلاثة عشر شخصًا من أصحابك وعليك أن

تُظهر لكلّ منهم محبّتك الزّائدة ولا تتركهم وشأنهم لأنّهم خصصوا حياتهم لطلب المحبوب، وادعُ الله أن

يمكّنهم بمنّه وكرمه عَلَى أن يسيروا باطمئنان فِي هذا الصّراط الذي هو أحدّ من السّيف وأدقّ من الشّعر

ومنهم من هو معدود عند الله من عباده المنتخبين المخلصين، وآخرون يسلكون طريقًا وسطًا ولا يظهر

نصيب الباقين حتى تأتي السّاعة الّتي يظهر فيها كلّ أمر مكنون، وفي صبيحة ذلك اليوم فِي وقت

الفجر عند عودتي من منزل الباب جاء الملاّ علي  البسطامي فِي مسجد إيلخاني ومعه باقي أصحابه

الّذين أخبرني عنهم الباب، وفي الحال قمتُ لهم بواجب الضّيافة وذاتَ ليلةٍ بعد مرور بضعة أيّام عَلَى

وفودهم كلّمني الملاّ علي نيابة عَنْ باقي أصحابه قائلاً:

(إنّك لتعلم عظم ثقتنا فيك وإنّ طاعتنا لك بدرجة لو تدّعي أنّك القائم الموعود فإنّنا جميعًا لا نتأخّر عَنْ

إجابتك، وطبقًا لأمرك قد تركنا أوطاننا للبحث عَنْ موعودنا المحبوب وإنّك كُنْتَ أوّل قدوة حسنة لنا وقد

تبعنا خطواتك وعزمنا أن لا نتوانى فِي بحثنا حتّى نعثر عَلَى ضالّتنا المنشودة، ولقد تبعناك إلى هذا

المكان ونحن مستعدّون لقبول كلّ من تقبله أملاً فِي الاستظلال فِي ظلّ حمايته والفوز من المخاطر التي

تؤذن بدنوّ السّاعة الأخيرة، وقد رأينا من ملامح وجهك أنّ الترقّب قد انتهى وأنّ الاضطراب قد زال، ولذلك

نرجوك أن تخبرنا عَنْ سبب ذلك حتّى نتخلّص نحن أيضًا من عبء الانتظار والشّكّ).

فأجبتهم بلطف قائلاً:

(إنّ أصحابك ربّما نسبوا هدوئي وسروري إلى الصّيت والشّهرة التي نلتهما فِي هذه المدينة ولكنّ

الحقّ بعيد عَنْ ذلك، فالعالم جميعه بأبّهته وملاذه لا يثني هذا الحسين البشروئي عَنْ محبوبه ومنذ

بداية هذه المهمّة المقدّسة الّتي نزلت فِي ساحتها أقسمت بأن يكون نصيبي أن أختم حياتي بخاتم

دمي، فرحّبت بالولوج فِي بحر البلايا، فلا أحنّ لأمور هذه الدنيا ولا أبغي إلا رضا المحبوب فلا تنطفىء

هذه النّار المشتعلة فِي قلبي إلا إذا سفك دمي فِي سبيله وإنّكم والحمد لله سترون ذلك اليوم، فبفضله

العميم وبمنّه وكرمه قد فُتحت أبواب رحمته أمام الملاّ حسين، واتّباعًا لأمره وحكمته قد أمرني بالسّير

عَلَى هذا المنهج لإخفاء هذه الحقيقة).

فحرّكت هذه الكلمات روح الملاّ عليّ ورأى بنفسه معناها وألحّ عليّ بعينٍ دامعة أن أكشف له عَنْ حقيقة

ذلك الّذي أبدل الشّكّ باليقين والاضطراب بالاطمئنان وقال: (أقسمك بربّك الرّحمن أن تهبني نصيبًا من

ذلك الرّحيق القدسيّ الّذي تناولته من يد  الرّحمة، ففي ذلك إطفاء للهيب ظمأي وتهدئة لاضطراب قلبي

من ألم الانتظار).

فأجبته: (لا تطمح فِي أن تنال منّي هذا المرغوب وثق به فسوف يسدّد خطواتك ويُهدّأ روع قلبك).

فأسرع الملاّ عليّ إلى أصحابه وأخبرهم بما دار بينه وبين الملاّ حسين من الحديث وأشعل فِي قلوبهم

الرّغبة فِي البحث، وتفرّقوا للخلوة طالبين بالصّوم والتضرّعات كشف الحجاب الذي حال بينهم وبين

معرفة محبوبهم، وكانوا يقولون فِي مناجاتهم

(اللّهم ربّنا إيّاك نعبد وإيّاك نستعين، اهدنا الصّراط المستقيم يا ربّنا وإلهنا أظهر لنا ما وعدتنا عَلَى

لسان أنبيائك ورسلك، ولا تخزنا يوم الدّين إنّك لَنْ تخلف الميعاد).

وفي ثالث ليالي الخلوة بينما كان الملاّ علي البسطامي مستغرقًا فِي الصّلاة رأى رؤيا

فظهر أمام عينيه نور تحرّك أمامه فتبعه وهو مأخوذ من بهجته إلى أن أدّاه ذلك إلى محبوبه الموعود

فانتبه فِي تلك السّاعة فِي نصف اللّيل وهو مغتبط فرحًا وفتح باب مخدعه وأسرع إلى الملاّ حسين

وارتمى فِي أحضانه وعانقه الملاّ حسين بغاية المحبّة قائلاً: (الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي

لولا أن هدانا الله). وفي فجر ذلك اليوم ذهب الملاّ حسين يتبعه الملاّ علي إلى منزل الباب فرأيا ذلك

الخادم الحبشيّ واقفًا عَلَى الباب فعرفهما وحيّاهما قائلاً: (قبل الفجر ذهبت لمقابلة سيّدي فأمرني أن

أفتح باب المنزل وأنتظر عَلَى عتبته قائلاً إنّه سيحضر فِي هذا الصباح باكرًا ضيفان فباسمي رحّب

بهما وقل لهما ادخلوها بسلام عَلَى اسم الله).

وكَانَتْ مقابلة الملاّ علي مع الباب شبيهة بمقابلة الملاّ حسين ولم تختلف عنها إلّا فِي أنّ المقابلة السّابقة

كَانَتْ تدور حول الحجج والبراهين عَلَى رسالة الباب بينما فِي هذه الدّفعة سادت روح الخضوع

والخشوع التّام وامتلأت الغرفة بالحياة من أثر تلك القوة السّماوية،

وكأن كلّ شيء فيها ينادي: (قد انبثق فجر اليوم الجديد وتسلّط الموعود عَلَى قلوب العالمين وبيده كأس

الأسرار ومعين الخلود طوبى للشّاربين). وكذلك وجد كلّ من باقي الاثنيّ عشر من الأصحاب المرافقين

للملاّ علي محبوبه كلّ بدوره وبكامل سعيه وجدّه فرآه البعض فِي الرّؤيا والبعض الآخر أثناء صلواته،

ومنهم من وجده أثناء تأمّلاته مسترشدًا بالإلهام الرّبّاني الذي ألهمهم لمعرفة قوّة بهائه وتشرّف هؤلاء

بحضرة الباب كما تشرف الملاّ علي مِنْ قَبْلُ وكَانَتْ زيارتهم له مصحوبة بالملاّ حسين ودعوا بحروف

الحيّ وكمل منهم سبعة عشر حرفًا وثبت اسمهم فِي لوح الله المحفوظ بالتّدريج وتعيّنوا رسلاً للباب

وأمناء لدينه وناشرين لنفحاته.

وتكلّم الباب أثناء محادثته مع الملاّ حسين ذات ليلة قائلاً: (قد أثبتنا سبعة عشر حرفًا وانضمّوا للواء

دين الله ولم يبقَ إلا حرف واحد عَلَى تمام العدد فعلى هؤلاء الحروف القيام لدعوة الأمر وتأسيس دين

الله وسيأتي الحرف الأخير فِي اللّيلة القادمة ليكمل العدد). ففي اليوم التّالي فِي الغروب بينما كان

الباب راجعًا إلى منزله متبوعًا بالملاّ حسين إذ ظهر شاب عليه غبار السّفر واقترب من الملاّ حسين

وعانقه وسأله إذا كان قد وصل إلى بغيته، فاجتهد الملاّ حسين أن يهدّئ روعه وطلب منه أن يترقّب ووعد

بإرشاده فلم يقبل ذلك الشّاب أن يلتفت إلى نصحه ووجّه نظره إلى الباب وقال للملاّ حسين: (لماذا تكتم

عنّي. فإنّي أعرفه من هيئته وإن أشهد فِي سرّي أنّه لا يقدر أحد خلافه فِي الشّرق أو الغرب أن يدّعي أنّه

الحقّ). فدُهِشَ الملاّ حسين من كلماته واعتذر إليه وطلب منه أن يضبط حواسّه حتّى يأتي الوقت الّذي

يقدر فيه أن يبوح له بالحقّ وتركه مسرعًا نحو الباب وأخبره بما دار بينه وبين ذلك الشّاب من المحادثة

فأجابه الباب: (لا تدهش من ذلك المسلك فإنّنا كنّا فِي عالم الرّوح نتحادث مع ذلك الشّاب ونعرفه مِنْ قَبْلُ

وكنّا ننتظر قدومه فاذهب إليه وأحضره أمامنا) فتذكّر الملاّ حسين حالاً من كلمات الباب تلك الفقرة (إنّه

فِي اليوم الأخير تجوب رجال الغيب فضاء العالم عَلَى أجنحة الرّوح ويحضرون أمام القائم الموعود

ويبتغون منه ذلك السّرّ الذي يحلّ لهم معضلاته ويزيل متاعبهم). ومع أنّ هؤلاء الأبطال كانوا بعيدين

عنه بالجسد إلا أنّهم روحيًّا كانوا مشغولين بالمناجاة مع محبوبهم ويشاركونه فِي أحاديثه وصحبته،

وإلا فكيف يمكن للشّيخ أحمد والسّيّد كاظم أن يعرفا الباب وكيف تمكّنا من الاطّلاع عَلَى السّرّ المودع فيه

بل كيف يتمكّن الباب نفسه والقدّوس تلميذه المحبوب أن يحصل بينهما ما دوّناه لولا وجود رابطة

سرّيّة تجمع أرواحهما، ألم يشر الباب فِي ابتداء دعوته فِي أوائل سور قيّوم الأسماء التي هي تفسير

سورة يوسف إلى أهمّيّة وجلال بهاء الله وأمره؟ ألم يكُ قصده فِي بيان الأضرار التي لحقت بيوسف من

أخوته وما ظهر منهم من الغدر والجفاء أن يتنبّأ بما يصيب بهاء الله من أخيه وأقاربه؟ ألم يكُ القدّوس

مستمرًّا ليل نهار وهو محاط بجموع الأعداء من كلّ الجهات وبنيران لا تخبو أوارها فِي قلعة الشّيخ

طبرسي فِي إعداد وتكميل مديحه فِي بهاء الله فِي تفسيره الخالد لحرف الصّاد من سورة الصّمد الذي

يبلغ نحوًا من خمسمائة ألف بيت؟ يشهد بذلك كلّ من يمعن النّظر فِي آيات وكلمات تفسير قيّوم

الأسماء.

وقد كمل عدد التّلاميذ المُنتخبين بقبول القدّوس لدعوة الباب واسمه محمّد علي وينتمي من والدته إلى

سلالة الإمام الحسن أكبر أحفاد الرّسول، وكان مولده فِي بارفروش فِي إقليم مازندران وممّا ينقل عَنْ

الّذين حضروا دروس السّيّد كاظم أنّ القدّوس تتلمذ عليه وكان يجلس فِي الصّفّ الأخير من المجلس

ويقوم بعد انتهاء الدّرس قبل غيره، وامتاز عَنْ بقيّة الأصحاب بالهدوء والسّكينة ودماثة الأخلاق، وكان

السّيّد كثيرًا ما يقول إنّ بعض التلاميذ مع أنّهم يجلسون فِي آخر  الصّفوف ويظهر منهم سكوت تامّ لهم

فِي نظره مقام جليل عَلَى شأن لا يستحقّ بنفسه أن يكون من خدّامهم، وكان تلاميذه يلاحظون تواضع

القدّوس ويعترفون بسموّ وشرف أخلاقه ولكنّهم ما كانوا يعرفون قصد السّيّد كاظم، ولما وصل القدّوس

إلى شيراز واعتنق الأمر كان له من العمر اثنان وعشرون عامًا. ومع صغر سنّه أظهر شجاعة نادرة

وإيمانًا تامًّا لم يصل إليه أحد خلافه من أتباع مولاه، وكان قد مثّل فِي أدوار حياته واستشهاده المجيد

صحّة الحديث القائل:  

(من طلبني وجدني ومن تقدّم إليّ شبرًا تقدمت إليه باعًا ومن أحبّني أحببته ومن أحببته قتلته ومن

قتلته فعليّ ديّته).

لمزيد من التفاصيل تابعوا صفحة ABN NEWS علي الفيسبوك

https://www.facebook.com/ABN.ArabicNews/

Subscribe to our YouTube TV channel from here اشترك في قناتنا التليفزيونية على YouTube TV من هنا در اینجا در کانال تلویزیونی YouTube TV ما مشترک شوید

Source : ABN Bahá'í News

For more details, followed ABN Bahá'í News Facebook Page

https://www.facebook.com/ABN.BahaiWorldNews/

اكتب ايميلك هنا Enter your email address:

Delivered by FeedBurner

To get a copy of this article or to contact the administration of the site .. Write to the editorial department on this email abnnews.net@outlook.com

This website is independent ... and is NOT the official site of the worldwide Bahá'í community.. and it is issued by an independent media agency for a major press company specializing in the field of journalism and media. We are specialized in the field of journalism and media .. This site is one of the publications of an independent European media institution with dozens of versions of the media read and audio-visual .. We offer the news and the abstract truth, as a team working one aim to serve the human world, away from appearing and polishing.

هذا الموقع مستقل ..وغير تابع للموقع البهائي العالمي .. ويصدر عن جهة اعلامية مستقله لشركة صحفية كبري متخصصة في المجال الصحفي والاعلامي . وهذا الموقع هو أحد اصدارات مؤسسة اعلامية أوروبية مستقلة لها عشرات الاصدارات من وسائل الاعلام المقروءة والسمعية والبصرية .. ونقدم الخبر والحقيقة مجردة من الأهواء الشخصية كفريق عمل واحد هدفه خدمة العالم الانساني بعيدا عن الظهور والتلميع.

Be the first to comment

Leave a Reply