عيد المظهرين التوأمين ( 1 ) حضرة الباب – المبشّر بالدين البهائي (1819-1850)

الاراضي المقدسه
الاراضي المقدسه

ABN Bahá'í News :

ABN Bahá’í News  عواصم العالم – يحتفل البهائيين حول العالم في الاول والثاني من نوفمبر بالعيدين الاعظمين وهما عيد مولد حضرة الباب .. وعيد ميلاد حضرة بهاء الله .. ويطلق البعض علي هذا العيد بعيد المولدين ، او عيد المظهرين التوأمين او عيد المولودين التوأمين .. اشارة الي رسالتي حضرة الباب وهي الرسالة البابية والتي بشرت برسالة حضرة بهاء الله وهي الديانة البهائية .. الاكثر والاوسع انتشارا في العالم الان .

وكان البهائيون في البلدان الشرقية يقومون حتي 2014 م  بإحياء ذكرى المناسبتين حسب التقويم الهجري كما مدرج تحت ، ولكن إبتداءً من 2015 م اصبحت تواريخ الاحتفال موحدة في العالم البهائي سواء في الشرق أو في الغرب

حضرة الباب – المبشّر بالدين البهائي

المبشّر بحضرة بهاءالله (١٨١٩-١٨٥٠)

بِسْمِ المَوْلُودِ الَّذِيْ جَعَلَهُ اللهُ مُبَشِّرًا لاسْمِهِ العَزِيزِ الْوَدُودِ

                      لَوْحٌ مِنْ لَدُنَّا إِلَى لَيْلَةٍ فِيهَا لاَحَتِ السَّمَواتُ وَالأَرْضُ مِنْ نَيِّرٍ بِهِ أَنَارَ مَنْ فِي الْعَالَمِينَ، طُوبَى لَكِ بِمَا وُلِدَ فِيكِ يَوْمُ اللهِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ مِصْبَاحَ الْفَلاَحِ لأَهْلِ مَدَائِنِ الأَسْمَاءِ وَأَقْدَاحَ النَّجَاحِ لِمَنْ فِي مَيَادِينِ البَقَآءِ وَمَطْلِعَ الْفَرَحِ وَالابْتِهَاجِ لِمَنْ فِي الإِنْشآءِ، تَعَالى الله فَاطِرُ السَّمَآءِ الَّذِي أَنْطَقَهُ بِهَذَا الاسْمِ الَّذِي بِهِ خُرِقَتْ حُجُبَاتُ الْمَوْهُوْمِ وَسُبُحَاتُ الظُّنُونِ وَأَشْرَقَ اسْمُ الْقَيُّومِ مِنْ أُفُقِ اليَقِينِ، وَفِيهِ فُكَّ خَتْمُ رَحِيقِ الْحَيَوَانِ وفُتِحَ بَابُ الْعِلْمِ وَالْبَيَانِ لِمَنْ فِي الإِمْكَانِ وَسَرَتْ نَسَمَةُ الرَّحْمَنِ عَلَى الْبُلْدَانِ، حَبَّذَا ذَاكَ الْحِيْنُ الّذِي فِيهِ ظَهَرَ كَنْزُ اللهِ الْمُقْتَدِرِ العَلِيْمِ الْحَكِيمِ، أَنْ يَا مَلأَ الأَرْضِ وَالسَّمَآءِ إِنَّهَا الْلَيْلَةُ الأُولى قَدْ جَعَلَهَا اللهُ آيَةً لِلَّيْلَةِ الأُخْرى الَّتِيْ فِيْها

 

في أواسط القرن التاسع عشر – احدى أكثر مراحل تاريخ العالم اضطرابا – أعلن تاجر شاب أنه حاملٌ لرسالة مقدّر لها أن تحدث تحولا في الحياة الروحية والاجتماعية للبشر. في وقت كانت بلاده ايران تشهد انهيارا اخلاقيا ومعنويا واسع النطاق، بثت رسالته الحماسة والأمل في جميع الطبقات، وجذبت على نحو مضطرد وسريع الآلاف من المريدين. هذا الشاب اتخذ لنفسه لقب “الباب”.

بدعوته إلى الإصلاح الروحي والأخلاقي، واهتمامه بتحسين أوضاع النساء والفقراء، كان العلاج الذي وصفه حضرة الباب للتجديد الروحاني ثوريا قياسا بالقيم السائدة آنذاك. في الوقت نفسه أسس ديانة متميزة مستقلة اختصت بظهوره، ملهماً اتباعه إِحداث تحول جذري في حياتهم والقيام بأعمال بطولية عظمى.

أعلن الباب أن البشرية تقف على أعتاب عصر جديد، فالهدف من بعثته التي استمرت ست سنوات، كان تمهيد الطريق لمجيء مظهر إلهي ؛ رسولاً من عند الله لهداية البشر في عصر السلام والعدل اللذين وعد بهما كافة أديان العالم، هو بهاء الله

“إنّها سيرةٌ تُعَدّ مثلاً من أروع الأمثلة في الشجاعة والإقدام، وكان للإنسانيّة حظّ عظيم في التعرّف عليها…”(١) ورد هذا التقريظ على لسان الكاتب والمؤرخ الفرنسي المرموق أ.ل.م نيكولاس، وكان يقصد به سيرة تلك الشخصية القدسية الفذّة التي عرفها تاريخ القرن التاسع عشر باسم “الباب.”

ففي النصف الأول من ذلك القرن استحوذ على العديد من الناس، شعورٌ عميق من التَّرقُّب والانتظار لعودة السيد المسيح. وبينما كان المسيحيون ينتظرون المجيء الثاني لعيسى ابن مريم، اجتاحت العالم الاسلامي موجة من التوقعات بظهور “صاحب الزمان.” واعتقد كلٌّ من المسيحيين والمسلمين بأَنَّ عصراً روحياً جديداً سيبدأ تحقيقاً للنبوءات التي جاءت في كتبهم المقدسة.

بلغت حميّة تلك التوقعات ذروتها في الثالث والعشرين من شهر أيار (مايو) ١٨٤٤، عندما أعلن تاجر شاب – هو حضرة الباب – بأنه صاحب رسالة إلهيّة، طال الوعد بها، ومقدّر لها أنْ تُحوِّل الحياة الروحية للجنس البشري وتحييها من جديد. وكان نداؤه شاملاً إذ قال:

“يا أهل الأرض اسمعوا نداء الله … لقد جاءكم النور من الله بكتاب هذا على الحقّ بالحقّ مبيناً لتهتدوا إلى سبل السلام.”(٢)

كان المجتمع الفارسي آنذاك يرزح تحت وطأة انهيار خُلُقي واسع في مداه، فأَعلن حضرة الباب في هكذا جوّ أَنَّ أساس الإحْياءِ الروحي والتقدم الاجتماعي هو “الحبّ والرأفة” وليس “الشدة والسطوة،”(٣) فأثار ذلك الإعلان الأمل والانفعال لدى طبقات المجتمع كافة، وسرعان ما اجتذبت دعوة حضرة الباب تلك الآلاف من المؤيّدين والأتباع.

 

ورغم أنَّ اسم التاجر الشاب كان سيد علي محمد، إلاّ أنه اتخذ لنفسه لقب “الباب.” وبيّن حضرة الباب بأنَّ مجيئه لم يكن إلاّ مدخلاً تَعبُره الإِنسانيّة نحو ذلك الظهور الإلهيّ الذي ينتظره البشر في كلِّ مكان. أما الموضوع الرئيس الذي تناوله كتاب البيان – وهو أم الكتاب بالنسبة للظهور البابي – فكان الظهور الوشيك لرسول ثانٍ يبعثه الله، يكون أعظم شأناً من حضرة الباب نفسه، ويحمل رسالةً جديدة لبدء عهد من العدل والسلام، وهو ما وعد به كلٌّ من الدين الاسلامي واليهودي والمسيحي، بالإضافة إلى كلّ دين عالمي آخر اعتنقه البشر.

 

حين أشار حضرة الباب إلى ذلك الرسول القادم استخدم عبارة رمزيّة وَصَفَتْهُ بأنّه “مَنْ يُظْهِرُه الله”. وأَكّد استقلالية ذلك الرسول وسيادته الكاملة فصرّح “بأنّه لا يستشار بإشارتي ولا بما نزل في البيان.”(٤) كما وضّح حضرة الباب أيضاً الهدف الرئيس لرسالته هو فقال: “إنَّ الهدف من هذا الظهور، وكلّ ما سبقه من الظهورات الأخرى، ليس إلاّ الإعلان عن مجيء مَنْ يُظْهِرُه الله وبعث رسالته.”(٥) وبما أنَّ جوهر الإنجازات الإِنسانية كافة موجودة في تعاليم هذا الظهور الإلهي الموعود فإنَّ “الدين كلّه يكمن في نصر ذلك الظهور ودعمه.”(٦) ولقد اعتبر حضرة الباب أنَّ التاريخ الإِنساني قد بلغ نقطة تحوّل رئيسة، وكان هو بمثابة “صوت الصارخ الذي كان ينادي في بريّة البيان”(٧) بأنَّ الإِنسانية بدأت بالدخول في مرحلة نضجها الجماعي.

 

ناشد حضرة الباب في كلِّ ما كتب، أتباعَه ليكونوا يقظين حتى إذا أظهر الموعود نفسه بادروا إلى إعلان الإيمان به. وحثّ أتباعه أيضاً على أن يشاهدوا الأمور بأعين أفئدتهم منزّهين أنفسهم عن كل وهم:

 

“قل إِنّما الآخرة أيام من يظهره الله، لا تجعلُنَّ شيئاً من أوامر الله موهوماً عند أنفسكم ولْتَرَوُنَّ كلَّ شيء ما قد خلقه بأمره بأَعْين أَفئدتكم مثل ما أنتم بأَعْين أَجسادكم تُبصرون.”(٨)

 

أكَّد حضرة الباب لأتباعه مراراً عِظَمَ مقام “من يُظهره الله” وسموَّ مكانته، وأراد لهم أنْ يكونوا لائقين للمثول بين يديه حين ظهوره، فسنّ لهم نمطاً للحياة وقواعدَ للسلوك تتصف بالعفّة والطهارة والقداسة ونبل الأخلاق. وأهاب بالرعيل الأول من أتباعه وتلاميذه التقيّد بتلك القواعد الأخلاقية التي لم تشهد لها الإِنسانية مثيلاً قبل ذلك:

 

“اغسلوا قلوبكم عن أدران الشهوات في هذه الدنيا واجعلوا زينتكم فضائل الملأ الأعلى… والآن قد أتى الوقت الذي لا تصعد فيه الأَعمال إلى عرشه الأعلى إلاّ إذا كانت طاهرةً نقيةً، ولا تكون مقبولة لديه إلاّ إذا كانت خاليةً من آثار الدَّنس…”(٩)

 

وردت إشارات عدة بقلم حضرة الباب بالنسبة لشخصيّة “مَنْ يُظهره الله،” منها مثلاً قوله في موضعين مختلفين:

 

“طوبى لمن ينظر إلى نظم حضرة بهاءالله ويشكر ربّه فإنّه يَظهر ولا مردَّ له من عند الله في البيان…”(١٠)

 

“إذا أشرقت شمس البهاء عن أفق البقاء أنتم فاحضروا بين يديّ العرش…”(١١)

 

وفي عام ١٨٤٨ وفي جمعٍ ضم جمهرة من أتباع حضرة الباب اتخذ حسين علي لقب “البهاء.” وقد عرف التاريخ حسين علي باسم بهاءالله وهو الذي كان من أبرز أتباع حضرة الباب، وحاز اتخاذُه لذلك اللقب دعم حضرة الباب وتأييده.

 

إنَّ الدور الذي قام به حضرة الباب تجاه ظهور حضرة بهاءالله يشبه في بعض وجوهه ما قام به يوحنا المعمدان تجاه تأسيس الدين المسيحي. كان حضرة الباب المبشّر بحضرة بهاءالله، وكانت وظيفته تمهيد السبيل لمجيء حضرة بهاءالله. وطبقاً لذلك، فإنَّ تأسيس الدين البابي لهو في الحقيقة مرادف لتأسيس الدين البهائي، وإنَّ هدف رسالة حضرة الباب تَحَقَّقَ عندما أعلن حضرة بهاءالله في عام ١٨٦٣ بأنَّه الموعود المنتظر الذي أعلن عنه حضرة الباب. وأكّد حضرة بهاءالله فيما بعد هذا الرأي في أحد ألواحه حين وصف حضرة الباب بأنه كان “[منادياً] باسمه و[مبشّراً] بظهوره الأعظم الذي ارتعدت له فرائص الأمم وسطع النور به من أفق العالم.”(١٢) فقد سجّل ظهور حضرة الباب في التاريخ الديني ختام “كور النبوّة” و”بداية” الكور الذي “سوف تتحقّق فيه كل النبوءات.”

 

ومع ذلك يجدر بنا أنْ لا ننسى أنّ حضرة الباب أسَّسَ ديناً مستقلاً قائماً بذاته، خاصاً بدعوته هو، عُرِفَ بالدين البابي. فبَعَث هذا الظهور الديني جامعة من المؤمنين مليئةً بالحيويّة والنشاط، وانبثق عنه وحيٌ من الآيات والآثار المقدسة، ومَهَرَ التاريخَ ببصماته الخاصة المُمَيَّزَةِ التي لا تُمحى. وتشهد الآثار البهائية المقدسة بأنَّ “عظمة حضرة الباب لا تكمن فقط في أنَّ الله قد بعثه ليبشّر بهذا الظهور الأعظم، بل وأكثر من ذلك لكونه ظهر بالقدرة والسيادة ذاتهما الكامنتين في كلّ ظهور إلهي يتمتع بالقوة والعزم، فمَلَكَ بصولجان رسالته المستقلة مُلكاً لم يُضاهِهِ فيه أحدٌ من الرسل والأنبياء السابقين.”(١٣) وقد تمكّن حضرة الباب حقاً من القيام بدورٍ يذكّرنا بما قام به الرسل والأنبياء الأولون، إذ أطلق دعوة الإصلاح الخلقي والروحاني في المجتمع الفارسي، وأصرّ على رفع المستوى الاجتماعي للمرأة وتحسين أوضاع الفقراء والمعْوزِين. ولكن – على عكس مَنْ سَبَقَهُ من الذين نظروا إلى المستقبل البعيد إلى يوم تمتلئ الأرض بـ”معرفة الرب”(١٤) – تمكّن حضرة الباب من أن يقيم الدليل بفضل ظهوره بأنَّ فجر نور “يوم الله” قد بدأ ينبثق.

 

موصدةً بدت قلوبُ وعقول أولئك الذين وجّه إليهم حضرة الباب دعوته، فكانوا وكأنهم أسرى عالم فكري تجمّد على حاله دونما تبديل منذ القرون الوسطى. فكانت الإجراءات والقواعد التي سنّها لمعالجة انهيار الحياة الروحية، ناهيك عن إعلاء شأن العلم والتربية وتشجيع دراسة العلوم النافعة، كل هذه الأفكار بدت آنذاك ثوريّة للغاية مهما كان المعيار الذي نُِقيمُه للحكم عليها. وهكذا استطاع حضرة الباب بإِعلانه عن دين جديد مساعدة أتباعه كي يتحرّروا من التقاليد الفكرية الاسلامية الموروثة، وعبّأَ صفوفهم استعداداً لمجيء حضرة بهاءالله.

 

وصفَ الملاّ حسين البشروئي، أحد علماء الدين المرموقين في بلاد فارس، الأثر الذي تركه في نفسه ذلك اللقاء الأول حين مَثُلَ بين يديّ حضرة الباب: “شعرت بقوة وشجاعة خُيِّل إليّ معهما أنني أستطيع أنْ أقف وحيداً لا أتزعزع في وجه العالم كلّه بكل شعوبه وحكّامه. وبدا لي أنَّ الكون لا يزيد على حفنة من التراب في يدي. وحَسِبتُ أنني صوتُ جبريلَ المتجسّد يَهيب بالناس جميعاً أنْ أفيقوا فإِنَّ نور الصبح قد لاح.”(١٥)

 

كان لدعوة حضرة الباب تأثير بالغ أَحدث تحوّلاً وتغييراً في النفوس، وتحقّق ذلك أساساً عبر رسائله وتفاسيره وكتاباته العقائدية والصوفية. أما البعض، كالملاّ حسين، فقد استمعوا إليه شخصياً يحدّثهم ويتحفهم ببديع بيانه. ووصف أحد أتباعه ما كان للباب من صوت مؤثّر فقال: “كان صوت حضرة الباب وهو يُملي تعاليمه وقواعد إيمانه مسموعاً بوضوح في سفح الجبل الذي كان يردد هو والوادي صوته، وكانت نغمة ترتيل الآيات تفيض من فمه وهي تشنّف الأسماع وتخترق القلوب والأرواح، وتتحرك لندائه قلوبنا من أعماقها.”(١٦)

 

اتّسم الإعلان عن الدعوة الجديدة بالشجاعة والإقدام، وهي الدعوة التي رسمت للبشر رؤية مجتمع جديد في كل نواحيه، فأصاب الفزع المؤسسات الدينية والمدنيّة على حدّ سواء. وسرعان ما تعرّض البابيون للاضطهاد والتعذيب نتيجة لذلك. فأُعدم الآلاف من أتباع حضرة الباب في سلسلة من المجازر الفظيعة. وسجّل عدد من المراقبين الغربيين الشجاعة المعنوية الخارقة التي أبداها البابيون وهم يواجهون حملة العنف والاضطهاد هذه. وتأثّر المفكرون الأوروبيون كإرنست رينان، وليو تولستوي، وساره برنارد، والكونت غوبينو، أبلغ الأثر لهذه المأساة الروحيّة التي دارت رَحَاهَا في بلد خيّم عليه الظلام. وأصبحت أخبار حضرة الباب موضوع حديث المنتديات الفكرية والأدبية الأوروبية بصورة متكرّرة. وحَمَلت تلك الأخبار البطولة التي تحلَّى بها أتباعه، وحكت عن سيرته العطرة ونبل تعاليم رسالته. وانتشرت قصة الطاهرة، تلك الشاعرة العظيمة والبطلة البابية، انتشاراً واسعاً كقصة حضرة الباب نفسه – فهي التي خاطبت جلاّديها حين استشهادها بجرأة قائلة: “تستطيعون قتلي بأسرع ما تريدون، ولكنكم لن تستطيعوا إيقاف تحرير المرأة.”(١٧)

 

وفي نهاية الأمر زعم أعداء حضرة الباب ومناوئوه بأنه لم يكن مارقاً في الدين فحسب، بل ثائراً ومتمرداً عظيم الخطر أيضاً. لذا قررت السلطات التخلّص منه وإِعدامه. ونُفّذ فيه الحكم في التاسع من تموز (يوليه) عام ١٨٥٠ (الموافق للثامن والعشرين من شعبان ١٢٦٦ هجرية) في ميدان يتوسط الثُّكنات العسكرية بمدينة تبريز. واحتشد جمع غفير من الناس قُدّر عددهم بعشرة آلاف شخص، غصّت بهم سطوح الثكنات العسكرية والمنازل المشرفة على الميدان. وعُلّق حضرة الباب وشابٌ من أتباعه بحبلين ودُلِّيا أمام جدار في الميدان. واصطفّت الفرقة العسكرية وكان قوامها ٧٥٠ جندياً أرمنياً ثم انتظمت في صفوف ثلاثة في كل صف ٢٥٠ جندياً، وأطلق كل صف الرصاص بعد الآخر، وتكاثف الدخان المتصاعد من البنادق السبعمائة والخمسين حتى أظلم الميدان وتعسرت الرؤية فيه.

 

وسجّل أحداث استشهاد حضرة الباب السير جستين شييل، السفير فوق العادة ومبعوث الملكة فكتوريا الخاص لدى بلاط الشاه، في تقرير رفعه إلى وزير الخارجية البريطاني اللورد بالمرستون بتاريخ الثاني والعشرين من تموز (يوليه) عام ١٨٥٠، وقد جاء في تقريره ما يلي: “عندما انقشع الغبار الكثيف بعد إطلاق الرصاص، توارى حضرة الباب عن الأنظار وهتف الجمهور بأنّه قد صعد إلى السماء. فقد مزّق الرصاص الحبلين اللذين رُبط بهما حضرة الباب ورفيقه، إلاّ أنّه أحضر فيما بعد من الغرفة التي اكتُشِفَ وجوده فيها وتّم إطلاق الرصاص عليه من جديد.”(١٨)

 

بعد هذه المحاولة الأولى لتنفيذ حكم الإِعدام في حضرة الباب واختفائه عُثِرَ عليه يجلس في زنزانته وهو يُملي الإرشادات على أحد أتباعه. وكان حضرة الباب قد حذّر حرّاسه في وقت سابق من النهار حين قدموا ليقودوه إلى ساحة الإعدام بأن ليس هناك من قوة في الأرض يمكنها منعه من إتمام كل ما يريد الإدلاء به حتى الحرف الأخير. ولكن عندما حضر الحراس لاقتياده إلى الساحة للمرة الثانية تحدث اليهم قائلاً بكل هدوء: “أما وقد انتهيت من حديثي مع السيد حسين فبإمكانكم أنْ تفعلوا ما بدا لكم.”(١٩)

 

واقتيد حضرة الباب ورفيقه الشاب مرة أخرى إلى ساحة الإِعدام. إلاّ أنَّ الجند الأرمن رفضوا إطلاق الرصاص عليه مرة ثانية، فشُكِّلت فرقة من الجند المسلمين وأُمروا بإطلاق الرصاص على حضرة الباب ورفيقه. وفي هذه المرة مزّق الرصاص جسدي الشهيدين جاعلاً منهما كتلةً واحدة من اللحم والعظم، أما الوجهان فقد ظلاّ سالمين لم تصبهما إلاّ خدوش طفيفة. وانطفأ نور ذلك “البيت”(٢٠) (والبيت كلمة استخدمها حضرة الباب في أحد ألواحه إشارة إلى ذاته) تحت وطأة سلسلة من الأحداث والظروف المثيرة للغاية، أما كلماته الأخيرة فقد وجهها حضرة الباب إلى الجمهور المحتشد قائلاً: “أيها الجيل الملتوي! لو آمنتم بي لاحتذى كل واحد منكم حذو هذا الشاب الذي هو أعظم منكم شأناً، ولأقبل راضياً مختاراً على التضحية بنفسه في سبيلي، وسيأتي اليوم الذي فيه تؤمنون بي، وعند ذاك لن أكون معكم.”(٢١)

 

سجّل حضرة بهاءالله تقديره للباب وأجزل له الثناء في كتاب الإيقان فقال:

 

“… وكم ظهر من الاستقامة من ذاك الجمال، جمال الأحدية، بحيث أنَّه قام كلّ من على الأرض على منعه، ولم يأت ذلك بثمر أو فائدة بل كلّما كان يرد منهم من الإيذاء على تلك السّدرة، سدرة طوبى، كلّما كان يزداد شوقه، ويزداد اشتعال نار حبّه. وكل هذا واضح لا ينكره أحد إلى أَنْ فدى أخيراً بروحه وصَعِدَ إلى الرفيق الأعلى.”(٢٢)

 

وكتب المؤرخ أ.ل.م. نيكولاس الذي سجّل الأحداث المحيطة باستشهاد حضرة الباب ما يلي: “لقد فدى الإِنسانيّة بنفسه، ومن أجل الإِنسانيّة وَهَب روحَه وجسده، ولأجلها تحمّل الحرمان، والأذى، والتعذيب، والاضطهاد، وأخيراً الاستشهاد. ولقد أحكَم بدمائه ميثاقَ الأخوَّة العالمية، ودفع تماماً كما فعل المسيح حياته ليعلن مجيء عهد من الوفاق والعدالة والمحبة الأخويّة.”(٢٣)

 

إنَّ فترة السّنوات الستّ القصيرة التي عاشتها رسالة حضرة الباب والسرعة التي حققت فيها أهدافها رمزت في بعض أوجهها إلى الطّفْرة المفاجئة التي حثّ حضرة الباب العالم لِيُقدِمَ عليها حتى يتمّ الانتقال إلى حالة من الوعي والاحساس بالوحدة العالمية. فمنذ إعلانه الجريء لدعوته في منتصف القرن الماضي تحقّق تقدُّم قلّ نظيره في العديد من المجالات العلمية والتقنية. وسجّل هذا التقدم انبثاق التباشير الأولى لميلاد “مجتمع عالمي موحّد”. فكان دوره كـ “النقطة التي ذُوّتَ بها من ذُوّتَ”(٢٤) باعثاً لدورة جديدة من الكشف والإبداع البشري. لقد هبّت نسائم العرفان فاغتنت العقول وحَلّقت الأرواح في السموات العُلَى.

 

يصف حضرة بهاءالله تعاقب ظهورين إلهيّين بحيث كادا يتزامنان بأنّه “سرّ لا سبيل إلى اكتشاف كنهه.”(٢٥) ويعتقد البهائيون أَنَّ هذه الظاهرة ما هي إلاّ تأكيد على قرب مجيء “ملكوت الله على الأرض” وهي الشهادة أيضاً على عظمة ظهور حضرة بهاءالله. وقد علَّق على ذلك عبدالبهاء قائلاً:

 

“إِنَّ حضرة الأعلى [حضرة الباب] لهو صبح الحقيقة الذي أشرق وأضاء بنوره جميع الأرجاء، إنّه المبشّر بالنيّر الأعظم، أي الجمال المبارك [حضرة بهاءالله] الذي وعدت به الكتب والصحف والزبر والألواح السابقة جميعها. فظهور الجمال المبارك أشرق بالنور ذاته الذي تجلّى على الطور في سدرة سيناء. كلّنا عباد لتلك المظاهر الإلهيّة خاضعين خاشعين لدى بابهم.”(٢٦)

ولادة حضرة الباب ونشأته

أمّا الباب فاسمه السّيّد علي محمّد وولد فِي مدينة شيراز سنة ١٢٣٥ هجريّة فِي أوّل المحرّم من بيت مشهور بالشّرف والانتماء إلى الرّسول وكان تاريخ ميلاده مطابقًا للحديث المرويّ عَنْ الإمام عليّ (إنّي أصغر من ربّي بسنتين)، وأعلن دعوته بعد أن بلغ من العمر خمسة وعشرين سنة وأربعة أشهر وأربعة أيام، وتوفّي والده وهو طفل وكان والده من نسل النّبي  وهو السّيّد محمد رضا ومشهورًا فِي جميع إقليم فارس بالتّقوى والفضل وذا احترام عظيم من الجميع، وكان والداه كلاهما من الأشراف ولهما مكانة واحترام من الجميع، وكفله خاله الحاج الميرزا سيد علي أحد الشّهداء فِي الأمر وسلّمه إلى معلم يدعى الشّيخ عابد، ولو أنّ الباب كان غير ميّال للدّرس إلا أنّه أطاع رغبة خاله، وكان الشّيخ عابد المعروف عند تلامذته بـ “شيخُنا” رجلاً صالحًا متفقّهًا، وكان تلميذًا لكلّ من الشّيخ أحمد والسّيّد كاظم ومما حكاه قال: (ذات يوم سألت الباب أن يقرأ فاتحة القرآن بسم الله الرّحمن الرّحيم فلم يقبل قراءتها إلا إذا عرف معناها، فتظاهرت بأنّي لا أعرف المعنى فأجابني “أنا أعرف معنى هذه الكلمات” واستأذن منّي أن يشرحها لي وتكلّم فِي ذلك بطلاوة ومعرفة أدهشتني، وفسّر الله والرّحمن الرّحيم بكيفيّة لم أكن أعرفها مِنْ قَبْلُ ولا سمعتها، وكَانَتْ حلاوة عباراته لا تزال ماثلة فِي مخيّلتي، فشعرت باضطراري أن أرجعه إلى خاله وأن أوصيه بتلك الوديعة الَّتِي عهد بها إليّ قائلاً له: (إني أشعر أنّي لست مستحقًّا أن أعلّم مثل هذا الطّفل الفذّ) وكنت رأيت خاله عَلَى انفراد فِي مكتبه فقلت له: (إنّي أعيده إليك وأعهد بِهِ إلى يقظتك وحمايتك ولا يمكن معاملته كطفل عاديّ، لأنّي أشاهد فيه قوّة عجيبة ممّا لا تظهر إلا من صاحب الزّمان وحده، فالواجب عليك أن تحيطه بكلّ عنايتك ومحبّتك فاحفظه فِي منزلك لأنّه الحق أقول لك لا يحتاج

إلى معلّمين مثلي). ولكنّ خاله أمره بالرّجوع إلى الدّرس ووبّخه قائلاً: (ألم أنصحك أن تتّبع مثال أقرانك وأن تلتزم جانب السّكون وتستمع إلى كلّ كلمة يقولها لك معلّمك). وبناء عَلَى ذلك عاد ولكنّ روحه لم تقف فِي سبيل إفاضة ما لديها من العلم اللّدنيّ بل كَانَتْ تظهر عليه يومًا فيومًا علائم الحكمة الفائقة الحدّ والخارجة عَنْ حدود البشريّة حتى اضطرّ أخيرًا خاله إلى سحبه من المدرسة وإشراكه معه فِي التّجارة، وفيها أظهر نجابة وعظمة وقوّة لا يصل إليها إلا القليل، وبعد بضع سنين تزوّج بأخت الميرزا سيد حسن والميرزا أبي القاسم وولد له ابن يدعى أحمد توفّي سنة ١٢٥٩، وهي السّنة السّابقة لإظهار الدّعوة وكان يقول: (إلهي إلهي لو أعطيتَ لإبراهيمك ألف إسماعيل لفديتهم فرادى وجمعًا فِي سبيل محبتك، فيا محبوب قلبي إنّ فداء أحمد الَّذِي قدّمه عبدك علي محمد فداء عَلَى مذبح محبتك لَنْ يكفي لإطفاء اشتعال شوقه المتأجّج فِي قلبه حتى يفدي قلبه تحت قدمك ويقع جسمه ضحيّة لأقسى أنواع الظّلم فِي سبيلك وحتّى يكون صدره هدفًا لآلاف السّهام فِي مرضاتك وبذلك يسكن اضطراب روحه، إلهي هذا هو مرغوبي، فاجعل اللّهم فداء ابني ووحيدي مقبولاً عندك ومقدّمة لفداء نفسي وكينونتي فِي سبيل مرضاتك، وامنحني فضل سفك دمي وفداء حياتي فِي سبيلك، واجعله يروي وينبت بذور دينك واشمله بقوّتك السّماويّة حتى ينمو ذلك البذر الجديد فِي قلوب الرجال وينتعش ويعظم إلى أن يصير شجرة كبيرة وتجتمع وتستظلُّ الأمم والأقوام تحت ظلها فأجب يا إلهي دعائي وأتمم لي مراد قلبي إِنَّك أَنْتَ القويّ الكريم).

وكان السّيّد كاظم عَلَى تمام العلم باقتراب السّاعة التي يظهر فيها الموعود، وبالحجبات الّتي تمنع الباحثين من تفهّم ومعرفة جمال الظّهور المستور، وقد بذل جهده تدريجيًّا بالحكمة فِي إزالة تلك الحجب والعقبات التي تقف فِي سبيل كنز الله المستور، وكان دائمًا يشير إلى

أتباعه: (بأنّ الموعود الذي تنتظرونه لا يأتي من جابلقا ولا من جابرسا بل هو موجود فِي وسطكم وترونه بأعينكم ولكنّكم لا تعرفونه). وكان يقول لتلاميذه عَنْ علائم الظهور: (بأنّه من نسلٍ شريفٍ من سلالة رسول الله من سبط هاشم، وهو حديث السّنّ وعلمه لدنّيّ وليس مستفادًا من تعاليم الشّيخ أحمد بل من الله، وإنّ علمي لم يكن إلا كقطرة بالنسبة إلى بحر علمه واجتهادي إلا كالنّقطة من التّراب أمام عجائب فضله وقدرته، ولا يوجد قياس بينهما فأين الثّرى من الثّريّا، وإنه لمتوسط القامة ولا يشرب الدّخان وعلى غاية من الاستقامة والصّلاح والتّقوى). وكان البعض من التّلاميذ يظنون أن السّيّد هو الموعود رغم صدور هذِهِ التّعليمات منه، وظنّوا أنّ جميع العلائم تنطبق عليه، وأخذ أتباعه فِي ذكر هذَا الاعتقاد علانية فانتهره السّيّد وغضب عليه وكان عَلَى وشك طرده من جملة الأتباع المخلصين ولكن التّلميذ المذكور رجاه أن يصفح عنه بعد توبته.

وممّا حكاه لي الشّيخ حسن الزّنوزي أنّه كَانَ يعتقد مثل هذَا الاعتقاد وكان يطلب من الله دائمًا أن يخلّصه من هذَا الوهم إذا كَانَ اعتقاده غير صحيح وقال: (كنت اضطربت من هذَا الأمر لدرجة أنّي لم آكل ولم أنم جملة أيام، وكنت أصرف الوقت دائمًا فِي خدمة السّيّد كاظم الَّذِي كُنْتَ دائم التّعلّق بِهِ، وذات يوم فِي الفجر أيقظني الملاّ نوروز أحد أتباعه وأمرني بولهٍ أن أقوم وأتبعه، فقمت وذهبنا سويًّا إِلَى منزل السّيّد كاظم حيث وجدناه مرتديًا عباءة ومستعدًّا للذّهاب معنا قائلاً: “قَدْ حضر شخص جليل القدر وواجب علينا زيارته نحن الإثنين” وكان الفجر قَدْ انبثق ونحن نسير فِي شوارع كربلاء ووصلنا إلى منزلٍ كَانَ شاب واقفًا عَلَى بابه كأنه ينتظر مقابلتنا، وهو يلبس عمّة خضراء ويظهر عَلَى محيّاه الخشوع واللّطف الَّذِي لا أقدر أن أصفه، وتقدّم نحونا ببطء وعانق السّيّد بكلّ محبّة، وكان شغفه ولطفه

فِي معانقة السّيّد لا يقلّ عَنْ احترام السّيّد له احترامًا عميقًا، وقد قابل أشواق واحترام الشّاب المتكرّرة بالتزام السّكوت وإحناء الرّأس، وسرعان ما أخذنا إلى غرفةٍ عُليا مزيّنة بالزّهور ومعطّرة بأروج الطّيب وأمرنا بالجلوس، وكان السّرور قَدْ شملنا بدرجة أنّنا لم نكن نشعر بالمقاعد الَّتِي جلسنا عليها وشاهدنا كوبًا من فضّة موضوعًا فِي وسط الحجرة وسرعان ما ملأه مضيفنا وناوله للسّيّد كاظم قائلاً: “وسقاهم ربّهم شرابًا طهورًا” فأمسك السّيّد الكأس من يده وانتهله وامتلأ هيكله بسرور فائق عَنْ الحدّ. وأنا أيضًا أعطاني كوبًا من ذلك المشروب ولم يخاطبني بأيّ كلمة، وكلّما دار من الحديث كَانَ خاصًّا بالآية القرآنيّة السّابقة، ثُمَّ بعد هنيهة قام مضيفنا وودّعنا لغاية عتبة باب المنزل، وأنا كدت أذوب من التّعجّب ولم أقدر أن أعبّر عَنْ شدّة إكرامه وترحيبه وجلال هيكله وجمال ذلك الوجه، وكم كَانَتْ دهشتي إذ رأيت أستاذي قَدْ نهل ذلك المشروب بدون أدنى تردّد من الكأس الفضّيّ، مع أن استعمال هَذَا المعدن محرّم حسب قواعد الإسلام، ولم يمكنني أن أعلّل سبب شدّة احترام السّيّد وإجلاله لذلك الشّاب احترامًا لا يسدى حتّى لمقام سيّد الشّهداء، وبعد ثلاثة أيّام رأيت ذلك الشّاب جالسًا وسط حلقة تلاميذ السّيّد كاظم قريبًا من العتبة وكان يستمع للدّرس بأدب ووقار، وبمجرّد أن وقعت عينه عَلَى ذلك الشّاب سكت عَنْ الدرس فترجّاه أحد تلاميذه أَن يستمرّ فأجاب قائلاً: “ماذا أقول لكم زيادة عَنْ ذلك” ولفت وجهه نحو شخص الباب ثُمَّ قال: “إنّ الحق أظهر من شعاع الشّمس الواقع عَلَى هذَا الذّيل” وفي الحين لاحظتُ أن أشعّة الشّمس كَانَتْ واقعة فِي حجر هذَا الشب الَّذِي زرناه أخيرًا فأجابه السّائل: “ولماذا لا تكشف لنا عَنْ اسمه أو تظهر لنا شخصه” فأشار السّيّد إلى حنجرته بأصبعه، يعني أنّه لو كشف ذلك لتعرضا للقتل فِي الحال، وقد زاد ذلك حيرتي وسمعت من أستاذي مرارًا بأنّ ضلال

هذَا الجيل كَانَ بدرجة أنّه لو أشار بإصبعه إلى الموعود وقال: “هذَا هو محبوب قلبي وقلبكم” لأنكروه وما قبلوه، وقد رأيت بنفسي ذلك السيد يشير بإصبعه إلى حجر ذلك الشّاب، ومع ذلك لم يفقه أحد المعنى المقصود من الإشارة، وأمّا أنا فكنت مقتنعًا بأنّ السّيّد لا يمكن أن يكون هو الموعود، ولكنّ بعض السّرّ المستسرّ أصبح يحوم حول هذَا الشّاب الغريب الجذّاب، وكثيرًا ما أردت أن أتجاسر بالتّقدم نحو السّيّد لسؤاله عَنْ كشف هذَا السر، ولكنّ هيبته كَانَتْ تحول دون ذلك وكثيرًا ما كُنْتَ أسمعه يقول يَا شيخ حسن: “افرح لأن اسمك حسن فابتداؤك حسن وانتهاؤك حسن وإنّك تشرفت بلقاء الشّيخ أحمد وتقابلت معي وفي المستقبل سيكون لك فرح عظيم لأنك سترى ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر عَلَى قلب بشر”.

وكنت كثيرًا ما أشعر باشتياق لمقابلة هذَا الشّاب الهاشميّ لأكشف سرّه، وكنت أرقبه يصلّي فِي مشهد الإمام الحسين وهو مستغرق فِي مناجاته حتّى كأنّه غير شاعر بمن حوله وكَانَتْ الدّموع تذرف من عينيه وتنحدر من فمه كلمات لا تزيد عنها الآيات فِي الحسن والقوّة والشّرف، وتتردّد فِي فمه كثيرًا عبارات “يَا إلهي ومحبوب قلبي” حتّى إنَّ المصلّين كانوا كثيرًا ما يقطعون صلواتهم ويستمعون لآيات الرّحمة والخشوع الَّتِي تظهر من فم ذلك الشّاب، وكانوا مثله يذرفون الدّموع مدرارًا ويتعلّمون منه كيفيّة العبادة الحقّة، وكان هذَا الشّاب يعود بسكون بعد إتمام صلوته إلى منزله بدون أن يمرّ عَلَى عتبة المقام وبدون أن يتكلّم مع الَّذِين حوله، وقد رأيت ضرورة مخاطبته وكنت كلّما حاولت الاقتراب منه أجد قوّة تحجزني عنه ممّا لا أقدر أن أصفها، وبالبحث عنه علمت أنّه قاطن فِي شيراز وأنّه يشتغل بالتّجارة وأنّه لم يكن من طائفة علماء الدّين، وأنّه هو وأخواله وأقاربه من المعجبين بالشّيخ أحمد والسّيّد كاظم، وسمعت بعد ذلك أنّه مسافر إلى

النّجف فِي طريقه إلى شيراز وكان قَد أشعل قلبي وذكراه لا تغيب عَنْ مخيّلتي وكَانَتْ روحي متعلّقة بِهِ….”.

 

أوصاف حضرة الباب وشمائله من المصادر المتعددة

“…إنّ الباب ترك شيراز إلى بوشهر وهو فِي سنّ السّابعة عشرة، ومكث هناك خمس سنوات مشتغلاً بالتّجارة وفي تِلْكَ المدّة كسب احترام جميع التّجّار الَّذِينَ تعامل معهم بصداقته وتقواه، وكان دائم الالتفات إلى واجباته الدّينيّة وكان يصرف مبلغًا كبيرًا فِي الصّدقة وذات مرة أعطى لجار فقير ٧٠ تومان”.

“إنّ الباب كَانَ دائم التأمّل كثير الصّمت مع أنّ هيكله الجميل ونور محيّاه وسكون ذاته كَانَ يجذب أنظار مواطنيه، ومع صغره كَانَتْ المسائل الدّينيّة تجذبه بقوّة. وفي سنّ التّاسعة عشرة كتب أوّل كتاب له وهو الرّسالة الفقهيّة وأظهر فِيهَا تقواه ونفحة إسلاميّة بشرّته بمستقبلٍ باهر”.

“إنّ الباب كَانَ يتباحث مع العلماء فِي المجالس ويستمع لروايات الزوّار الَّذِينَ يحضرون فِي تِلْكَ المدينة التّجاريّة، وكانوا يعدّونه من أبناء الطّريقة الَّتِي كَانَتْ محترمة فِي تِلْكَ البلاد”.

“…إنّ الباب كَانَ وسيم الطّلعة حليمًا مهابًا ساكنًا زائد الفصاحة والبلاغة سريع الكتابة”.

“إنّ الباب كَانَ يختلي بنفسه ليشتغل دائمًا بالعبادة ببساطة متناهية وحلاوة جاذبة، وكَانَتْ هذِهِ المواهب قَدْ نسبت إلى حداثة سنّه وكمال طلعته، وانجذب حوله كثيرون من المتنوّرين الَّذِينَ كانوا يستمعون لعلومه ومعارفه ويسرّون من فصاحته، وكان أصدقاؤه يؤكّدون أنه لم يفتح فاه إلا بما حرَّك أعماق القلوب، وكان يسرّ المتديّنين المتمسّكين

لشّدة احترامه للرّسول والأئمّة وأصحابهم فِي كلّ عبارته، وفي الوقت نفسه كَانَ فِي أحاديثه الخاصّة يبهج أرواح المستمعين إليه ويحدث فيهم اشتعالاً ولم يجدوا فِي أحاديثه غضاضة بل سرورًا حتّى فيما لم يكونوا يتحمّلونه لأنّها كَانَتْ تفتح أمامهم آفاقًا لا نهاية لها وأبوابًا متنوّعة ويكتشف الكثير من الأسرار بطريقة مغطّاة بغطآء رقيق يسهل بِهِ تصديق أهالي تِلْكَ البلاد”…..المزيد
لمزيد من التفاصيل تابعوا صفحة ABN Bahá’í News
علي الفيسبوك  https://www.facebook.com/ABN.BahaiWorldNews /

ABN Bahá’í News
Bahá’í World News

Source : ABN Bahá'í News

For more details, followed ABN Bahá'í News Facebook Page

https://www.facebook.com/ABN.BahaiWorldNews/

اكتب ايميلك هنا Enter your email address:

Delivered by FeedBurner

To get a copy of this article or to contact the administration of the site .. Write to the editorial department on this email abnnews.net@outlook.com We are specialized in the field of journalism and media .. This site is one of the publications of an independent European media institution with dozens of versions of the media read and audio-visual .. We offer the news and the abstract truth, as a team working one aim to serve the human world, away from appearing and polishing. نحن متخصصون في المجال الصحفي والاعلامي .. وهذا الموقع هو أحد اصدارات مؤسسة اعلامية أوروبية مستقلة لها عشرات الاصدارات من وسائل الاعلام المقروءة والسمعية والبصرية .. ونقدم الخبر والحقيقة مجردة من الأهواء الشخصية كفريق عمل واحد هدفه خدمة العالم الانساني بعيدا عن الظهور والتلميع.