ساعة مع عبدالبهاء

حضرة عبدالبهاء
حضرة عبدالبهاء

ABN Bahá’í News   لا يهمل التريخ ابدا ما كتبه الأستاذ عباس محمود العقاد بعد حضوره أحد مجالس عبد البهاء فى عدد يناير 1930 من مجلة الهلال تحت عنوان “ساعة مع عبد البهاء “جاء فيه قمت بزيارة عبد البهاء مع أحد اصدقائى فى منزله الذى يقيم فيه بضاحية باكوس بالإسكندرية فلما دعينا إلى مجلسه إذا شيخ وقور اشيب يلوح عليه سمة الحنكة والعلم أكثر من سمت النسك والنبوءة . وكان يكتب رسالة علمنا فيما بعد انها مكتوبة إلى شوكت باشا وزير الحربية التركية فحيانا تحية جميلة ، وأشار إلينا بالجلوس فجلسنا ومضى يتم إملاء الرسالة حتى فرغ منها وجىء لنا بأقداح الشاى يحملها رجلا من أثرياء الفرس فوقف حتى شربنا وقفه المتهيب الخاشع ، ثم أخذ الأقداح متراجعا وهو يستقبل عبد البهاء بوجهه حتى خرج من الباب .

وكانت السماء تمطر رذاذا ثم تدفق المطر غزيرا نحونصف ساعة ثم هم بالاقلاع ، وكنا فى غرقة أو شرفة – مسورة بالزجاج مقفلة النوافذ نطل منها على حديقة الدار وننظر إلى الأشجار يتلاعب بها الهواء يوقظنا من سبات وقال “سبحان الله لكل شىء رزقه ، فحيثما كان الشجر نزل إليه المطر

فقلت : << أو حيثما كان المطر نبت هناك الشجر . >>

فنظر إلى متأملا وقال : << أو هو كذاك >>

فقلتُ وفي نفسي عراك الآراء الكثيرة والأقوال المتضاربة يغريني بالجدل والاستقصاء: ”فأيّ القولين أقرب؟“
فقال في نغمة لا تفارقها الأناة والسّكينة: ”كلاهما قريب، وكلاهما صحيح“ ثم صمت قليلاً وعاد يقول: ”ننظر إلى الأقوال من حيث تتّفق لا من حيث تفترق، فنرى بين كلّ قولين صلة وإن ظهرا مختلفين متباعدين“
واسترسل في تلك النّغمة التي لا تفارقها الأناة ولا يلوح عليها التّعب: تعب الرّجل الذي تكرّر علمه بهذه الحقيقة مرّات، وتكرّر إرشاده النّاس إليها مرّات، فجعل يقول: ”كم من خلاف بين النّاس هو أدنى إلى الوفاق! أليست الأديان كلّها من معدن واحد؟ أليست الأمم كلّها من عنصر واحد؟ ولكنّهم يختلفون، لماذا؟ لأنّهم لا يعرفون كيف يتّفقون.%d9%a2
وهنا اغتنمتُ هذه الفرصة وقدمتُ إليه كتابي ”خلاصة اليوميّة“ الذي طبعتُه قُبيل ذلك بأسابيع قليلة… وقلت في صفحتها الأولى عن الجامعة الانسانية: إنّ انفراد كلّ صقع بخصوصيّة تميّزه من سواه وتقدّم النّاس إلى الاشتراك جميعاً في الحاجة إلى تلك الخصوصيّات حسب اتّساع مطالبهم وتقدّم العمران، مما يدلّ على أنّ كلّ النّاس مرتبطون بكلّ الأرض وأنّ حواجز الأوطان ستنطمس معالمها لتصير الأرض الوطن العام لنوع الانسان. وهذه الحركة الاقتصاديّة التي جاذبت بين أبعد الشّعوب لتبادل المنفعة ستؤدّي حتماً إلى توحّد المصالح العامّة بين الأمم بحيث تتضامن كلّها في الانفعال بالعوامل الاقتصاديّة التي تؤثّر على بعضها، وهو ما يؤذن بانقضاء الحروب وسيادة السّكينة والسّلام.
ومازالت العوامل الاجتماعيّة منذ القدم تقذف بالانسان في دائرة أشبه بزرد الماء يتّسع محيطها شيئاً فشيئاً فيشمل في كل دور ما كان خارجاً عنه في الدّور الذي تقدّمه. فإنّ تكوّن القبيلة من العائلة، والشّعب من القبيلة، والأمّة من الشّعب، والجامعة من الأمّة – يؤذن بأنّ الخطوة التّالية ستتقدّم بنا إلى الغاية التي طالما اشتغل كبار المصلحين لتحقيقها، وهي دخول أمم الأرض جمعاء تحت لواء جامعة واحدة، هي الجامعة الانسانيّة.
فناولتُه الكتاب وأنا أشيرُ إلى مكان هذه الجملة، فتقبّله قبولاً حسناً وقرأ الجملة منعماً ثم ردّد: ”إن شاء اللّه! إن شاء اللّه. أحسنت، أحسنت“
وكأنّه أحسّ نزعتي إلى التّفسير الاقتصاديّ الذي كان غالباً عليّ في تلك الفترة فقال: ولكنّ العالم الآن مستغرق في المادّة ولا سبيل إلى السّلام إلاّ من جانب الرّوح، العالم لا يطير إلاّ بجناحين جناح من المادّة وجناح من الرّوح، وهو الآن بجناح واحد ويعوزه الجناح الآخر، فهو منقسم على نفسه لا يبلغ كماله حتى تتّفق فيه المطالب الماديّة والمطالب الرّوحية، أمّا إذا سار حيث يسير الآن فستحلّ به وقانا اللّه وإياكم نكبة مرهوبة تزلزله حيناً وتفتح عينيه على الصّراط المستقيم، ولكن بعد أهوال لا تطاق.“
كان ذلك قبل الحرب العالميّة بسنتين… فكأن عبّاس أفندي كان ينذر سامعيه بالنّكبة الكبرى ويعيد هذا النّذير كلّما عرضت له مناسبة، ولا %d9%a3نشكّ في أن أتباعه يعدّون ذلك من النّبوءات الصادقات.ولا أدري كيف تطرّق بنا الحديث إلى قصة الزباء وما إليها من قصص العرب والفرس فإذا عبّاس أفندي مطّلع على هذه النّاحية من التّاريخ أحسن اطّلاع. إلا أنّني أذكر أنّنا تحدّثنا عن الشّرق والغرب وما بينهما من الخلاف المستحكم في العصر الحاضر وما كان للشّرق من المجد القديم، فساقنا الكلام على ما أظن إلي تلك القصص التاريخيّة وتنقّل إليها عبّاس أفندي ترويحاً لسامعيه. وكانوا يزدادون لحظة بعد لحظة، فأمسك عن الخوض في المباحث الفكريّة واستطرد إلى القصص التي يألفها جميع السامعين.
على أنّ أحد الحاضرين فاتحه مقتحماً الكلام في مسائل الأديان المنزّلة والفرق بين الاسلام والمسيحيّة فلم يسترح إلى هذا الاقتحام كثيراً ولكنّه قال على ما أذكر أن عيسى هو روح اللّه عند المسيحيين وعند المسلمين، وأن نبوءات المسيحيّة تشير إلى ما بعدها من رسالات الانبياء، فكلهم سواء في عبادة اللّه، وسواء في جوهر العقيدة، والخلاف في الظواهر لا يصح أن يلغي كل ذلك الاتفاق بين هذين الدّينين، بل بين جميع الأديان… فاستأذنّاه في الانصراف حين بدأ الزّائرون يتكاثرون على أمل العودة إليه في فرصة أخرى، ولكنّنا اضّطررنا إلى السّفر العاجل عقيب ذلك فلم نستطع أن نعود إليه.“ 3

ما ذكره العقّاد عن إشارة عبد البهاء إلى «نكبة مرهوبة تزلزل [العالم] حيناً وتفتح عينيه على الصّراط المستقيم ولكن بعد أهوال لا تطاق» وعن استغراق العالم في المادّيات بينما «لا سبيل إلى السّلام إلاّ من جانب الرّوح» جاء على نحو مقتضب لا يفصح بوضوح عن المقصود، بينما للموضوعين من الأهميّة في وقتنا الحاضر بحيث يدعون لإيضاحهما وتفصيلهما الذي أفاض بهما عبد البهاء في أحاديث أخرى، ويجد القارئ عرضاً مستفيضاً…المزيد
%d9%a4 %d9%a5 %d9%a6

For more details, followed ABN Bahá’í News Facebook Page

https://www.facebook.com/ABN.BahaiWorldNews/

Share This:

You may also like...