شهادة الشيخ محمد عبده ،ومفتي بغداد حول الدين البهائي

الشيخ محمد عبدة
الشيخ محمد عبدة

ABN Bahá’í News  شهادة المنصفين
رغم ما واجهه الدّين البهائيّ من مقاومة واتّهامات، كما هي الحال عند ظهور كلّ دين، لم يعدم بعض العلماء والمفكّرين الشّجاعة ليصرّحوا بالحقائق الّتي عرفوها عنه وعن المنادين به، نذكر هنا بعضًا منها على سبيل المثال. نشرت الأهرام يوم ١٨ يونيو ١٨٩٦ مقالاً للشّيخ محمد عبده وكان مفتيا للديار المصرية وعالما دينيا اصلاحيا فريدا جاء فيه: “… على أن المعروف من أحوال البهاء وبنيه الشّخصيّة، والمأثور عنهم من خلال التّرف ومزايا الكرم والتّحقّق بصفات التّهذيب والأدب، هو غير متنازع فيه، ولا ينكره إلاّ كل مكابر. وحضرة ولده الأكبر عبّاس أفندي أشهر من أن يعرّف بفضله، ويُنبّه عن نبله، وهو المعروف عند أعيان البلاد وأولياء الأمور، وقد عرفناه رجلاً ظاهر النّجابة، بادي السّراوة، فصيح اللّهجة، مهيب الطّلعة، كثير الوقار والحشمة، ذا أدب في غاية الغضاضة، وخُلق على جانب عظيم من الرّياضة …”

سجّل الأديب والمؤرّخ الأمير شكيب أرسلان في كتابه “حاضر العالم الإسلامي” علاقته مع حضرة عبدالبهاء قائلاً: “وكانت له مع هذا العاجز مراسلات متّصلة باتّصال حبل المودّة. وعمران جانب الصّداقة، ومرارًا قصدت عكّا ولا غرض لي فيها سوى الاستمتاع بأدبه الغضّ، والاغتراف من علمه الجمّ.”(۱)
ثمّ نوّه في نفس الكتاب بحضرة عبدالبهاء:
“… كان آية من آيات الله بما جمع الله فيه معاني النّبالة، ومنازع الأصالة، والمناقب العديدة الّتي قلّ أن ينال منها أحد مناله، أو يبلغ فيها كماله، من كرم عريض، وخلق سجيج، وشغف بالخير، وولوع بإسداء المعروف، وإغاثة الملهوف، وتعاهد المساكين بالرّفد بدون ملل، وقضاء حاجات القاصدين بدون برم، هذا مع علوّ النّفس، وشغوف الطّبع، ومضاء الهمّة، ونفاذ العزيمة، وسرعة الخاطر، وسداد المنطق، وسعة العلم، ووفور الحكمة، وبلاغة العبارة، حتّى كأن فصاحته صوب الصّواب، وأقواله فصل الخطاب، وكتاباته الدّيباج المحبّر، وفصوله الوشي المنمنم، يفيض بيانه جوامع كلم، وتسيل عارضته سيل عارض منسجم، ويودّ اللّبيب لو أقام العمر بمجلسه يجني من زهر أدبه البارع، ويرد من منهل حكمته الطّيبة المشارع، استولى من المعقول على الأمد الأقصى، وأصبح في الإلهيّات المثل الأعلى، وبلغ من قوّة الحجّة، وأصالة الرّأي، وبعد النّظر، الغاية الّتي تفنى دونها المنى، حتى لو قال الإنسان أنّه كان أعجوبة عصره، ونادرة دهره، لما كان مبالغًا، ولو حكم بأنّه من الأفذاذ الّذين قلّما يلدهم الدّهر إلاّ في الحقب الطّوال، لكان قوله سائغًا…” (٢)
وكتب الأديب الرّوسي ليو تولستوي: “أعطف من أعماق قلبي على الحركة البابيّة، إنّها تلقّن النّاس مبادئ الأخوّة والمساواة والتّضحية بالحياة المادّيّة في خدمة الله. إنّ التّعاليم البابيّة الّتي جاءتنا منبعثة من الإسلام، قد تطوّرت تدريجيًّا من أثر تعاليم بهاء الله، وهي تقدّم لنا الآن أسمى صورة من التّعاليم الدّينيّة.”(٣)

وتولستوى (١٨٢٨- ١٩١٠) هو أعظم روائى فى التاريخ الإنسانى بفضل رائعتيه «الحرب والسلام» (١٨٦٢- ١٨٦٩) و«أنا كارنينا» (١٨٧٣- ١٨٧٦). و صاحب رؤية فلسفية ودينية متميزة أو بالأدق نسيج وحدها. وقد اصطدمت هذه الرؤية بسلطة الكنيسة فاتهمته بالهرطقة، أى بالخروج عن المعتقد.

والسؤال إذن:

لماذا اصطدم؟

كان يبحث عن دين يخلو من الدوجما، أى يخلو من معتقد مطلق، ويخلو من أى علاقة بالدولة، ويخلو من الطقوس الخارجية فعثر عليه فى البهائية فى عام ١٨٩٨. وإثر ذلك أصدر رواية «البعث» (١٨٨٩- ١٩٠٠). وقال فى هذه الرواية عن كنيسة قيصر وأساقفتها «أنتم موتى». وبعد ذلك قرر المجمع المقدس فى ٢٢ نوفمبر ١٩٠١ أن تولستوى عدو الكنيسة وأنه نبى مزيف.

وفى عام ١٩١٠ انفصل عن زوجته وتنازل عن أملاكه ورحل مع ابنته ألكسندرا من غير تحديد مكان للوصول إليه، فأصيب بنزلة برد ومات بقرب منزل ناظر محطة السكة الحديد.

وقبل موته بست سنوات وصلته رسالة من محمد عبده بتاريخ ٨ أبريل ١٩٠٤، الغاية منها مساندته فيما يواجهه من اضطهاد دينى. أهم ما جاء فيها فقرتان: الفقرة الأولى تقول: «هداك الله إلى معرفة سر الفطرة التى فطر عليها الناس»، والفقرة الثانية تقول: «نظرت نظرة فى الدين مزقت حجب التقاليد ووصلت بها إلى التوحيد». والفقرتان معاً توحيان بأن تولستوى- فى رأى محمد عبده- قد اهتدى إلى الإسلام بحكم أن الاسلام هو دين الفطرة وهو دين التوحيد.

والسؤال إذن:

ما هى استجابة تولستوى لهذا الإيحاء الخفى؟

قال تولستوى فى رده على محمد عبده بتاريخ ١٢ مايو ١٩٠٤:

«إن دينك ودينى سواء، لأن المعتقدات مختلفة وهى كثيرة، لكن لا يوجد إلا دين واحد وهو الصحيح». ثم اختتم رده بسؤال: «ما رأيك فى مذهب الباب ومذهب بهاء الله وأنصاره؟ أو فى صياغة أوضح: ما رأيك فى البهائية؟»

والسؤال إذن:

ماذا يريد تولستوى من هذا السؤال؟

فى ١٧ سبتمبر ١٨٩٤ تسلم تولستوى رسالة من أولجا لبيدوفا- مترجمة مؤلفاته من اللغة التركية إلى اللغة الروسية- تخبره فيها عن «إيمان الباب وبهاء الله»، ومن يومها وهو يجمع معلومات عن البهائية حتى عام ١٩٠٩ وهو العام الذى أعلن فيه تعاطفه مع البهائية. ومعنى ذلك أن تولستوى منذ عام ١٨٩٤ وهو فى طريقه إلى التعاطف مع البهائية.

وكان يريد من سؤاله الذى وجهه إلى محمد عبده أن يعرف مدى تعاطف محمد عبده، لكن حدث ما لم يكن متوقعاً وهو اختفاء رد تولستوى تماماً منذ عام ١٩٠٤. وقيل تفسيراً لذلك إن تولستوى لم يرد، وبالتالى ليس ثمة اختفاء لأنه لم يكن ثمة رد. لكن حدث ما لم يكن متوقعاً وهو أننى عندما رحلت إلى موسكو أستاذاً زائراً، ذهبت إلى متحف تولستوى وهناك عثرت على جميع الرسائل التى أسهمت فى خلق علاقة بين محمد عبده وتولستوى، كما عثرت على صورة من رد تولستوى بخط يده وباللغة الفرنسية، لأنها اللغة الأجنبية الوحيدة التى يعرفها محمد عبده.

وبناءً عليه فإن القول بأن تولستوى لم يرسل رداً هو قول باطل قصد به إزالة التوتر الذى أحدثه سؤال تولستوى لمحمد عبده عن البهائية. وأظن أن هذا التوتر مردود إلى تعاطف محمد عبده مع البهائية على نحو ما ورد فى كتاب «تجاهل الله» لمؤلفه شوغى أفندى، الملقب بالحارس على الإيمان البهائى وصاحب السلطة فى تفسير النصوص الدينية البهائية.

ومع اختفاء رد تولستوى تم بتر العلاقة بين تولستوى ومحمد عبده أو بالأدق بين الغرب والعالم الإسلامى، وقد حدث هذا البتر مرة ثانية عندما حذر الطهطاوى من قراءة شذرات التنوير التى ترجمها هو نفسه عن الفرنسية، حرصاً منه على سلامة الإيمان. وتم البتر مرة ثالثة عند ترجمة كتاب المستشرق الإنجليزى و.س. بلنت صديق محمد عبده، وعنوانه «الأفغانى ومحمد عبده».

فقد ذكر فى نهاية كتابه أن محمد عبده كتب رسالة إلى تولستوى منشورة فى «الملاحق» مع رسائل أخرى، ومع ذلك حذفت «دار الهلال» الرسالة من الملاحق، وهى الدار التى أصدرت الترجمة. وأخيراً جاءت أحداث ١١ سبتمبر ٢٠٠١ فأصبح البتر بين الغرب والعالم الإسلامى مشروعاً للمستقبل.
وكتب الشّيخ الآلوسي مفتي بغداد في كتابه “نهج السّلامة في مباحث الإمامة”، مكذّبًا الاتّهامات الموجّهة إلى قرّة العين فقال: “… وهي ممّن قلّد الباب بعد موت الرّشتي، ثم خالفته في عدّة أشياء منها التّكاليف، فقيل أنّها كانت تقول بحلّ الفروج ورفع التّكاليف بالكلّية، وأنا لم أحسّ منها بشيء من ذلك، مع أنها حبست في بيتي نحو شهرين، وكم من بحث جرى بيني وبينها رُفعت فيه التّقيّة من البين…”(٤)
وكتب الأستاذ علي الوردي أستاذ التاريخ بجامعة بغداد: “إنّي أعتقد على أيّ حال، أنّ قرّة العين امرأةٌ لا تخلو من العبقريّة، وهي قد ظهرت في غير زمانها، أو هي سبقت زمانها بمائة سنة على أقلّ تقدير، فهي لو كانت قد نشأت في عصرنا هذا، أو في مجتمع متقدّم حضاريًّا، لكان لها شأن آخر، وربما كانت أعظم امرأة في القرن العشرين.”(٥)
وكتب المؤرّخ العالميّ أرنولد توينبي: “في رأيي أن البهائيّة بدون شكّ دين، ودين مستقلّ على قدم المساواة مع الإسلام والمسيحيّة أو غيرهما من الأديان المعترف بها في العالم، فالبهائيّة ليست مذهبًا تابعًا لدين آخر، بل هي دين منفرد بذاته، ولها نفس المكانة الّتي للأديان الأخرى”.(٦)……..المزيد

اعداد قسم التحقيقات بمؤسسة ABN News الاعلامية ويجوز النقل والاقتباس بدون الحصول على اذن مسبق من الموقع

(۱) مكاتيب عبد البهاء، مجلد ۱، ص ۱۱۷-۱۱۸، مطبعة كردستان، مصر، ۱۹۱۰.
(۲) الأمير شكيب أرسلان، المرجع السابق، ص٣٥٩.
(۳) الأمير شكيب أرسلان، المرجع السابق، ص٣٥٨.
(٤) الإمام الآلوسي، نهج السلامة في مباحث الإمامة، أورده شهاب زهرائي، في فقراتي از يـﮑ نامه، ص۷.
(٥) دكتور علي الوردي، لمحات اجتماعيّة من تاريخ العراق، الجزء ۲، ص۱۹۰.
(٦) آرنولد توينبي، The Baha’i Faith, Information Folder, Baha’i Publications Australia.

For more details, followed ABN Bahá’í News Facebook Page

https://www.facebook.com/ABN.BahaiWorldNews/

Share This:

You may also like...