ربيع البهائيين في تونس

بهائيو تونس ونظرة لمستقبل مشرق بوطن لا ينبذهم
بهائيو تونس ونظرة لمستقبل مشرق بوطن لا ينبذهم

المقال الرابع ضمن سلسة / محنة البهائيين في الشرق الأوسط (4)

سعد سلوم

سعد سلوم


بقلم الكاتب الصحفي / سعد سلوم

ABN Bahá’í News  تناولت سلسلة مقالات (محنة البهائيين في الشرق الأوسط) خريطة أنتشار البهائيين في دول مثل العراق ومصر واليمن. وسنختار “تونس” من دول شمال أفريقيا، التي تُعد أهم محطة لانتشار البهائية بعد رحلتها في الشرق الأوسط، لا سيما بعد زيارة “عباس أفندي” الملقب بعبد البهاء ونجل “بهاء الله” مؤسس الديانة وشخصيتها المحورية الى مصر، أحد المراكز الاسلامية المهمة عربيا وشرق أوسطيا.
ومن مصر، انتشرت الدعوة البهائية الى شمال افريقيا، والى “تونس” التي كانت بمثابة دولة/ بوابة لنشر الدين في بقية البلدان المجاورة، لاسيما بعد أن أصبح المحفل الروحاني المركزي للبهائيين في تونس، يشرف على 18 محفلاً روحانياً، منتشرةً في منطقة شمال غرب إفريقيا.
أختيار “تونس” كنقطة مركزية في خريطة الانتشار التي نقدمها لمحنة البهائيين يحمل سببا جوهريا آخر، في بلد قيض له الخروج من عنق زجاجة الربيع العربي من دون خسائر باهظة، وعلى نحو ناجح لعبور عملية الانتقال للديمقراطية، على العكس من مثيلاته من دول المشرق كمصر واليمن وسوريا. فضلا عن أن الثورة التي انطلقت منه أنتشرت شرارتها في دول أخرى شرق أوسطية مع ما يتضمنه ذلك من دور مركزي وملهم في تداعي النموذج القديم للدولة الوطنية، والذي كان نموذجا فاشلا في ادارة التنوع الديني والإثني.
يتناول الموقع الرسمي للبهائيين في تونس جذور البهائية في تونس، ويؤرخ لدخولها في سنة 1921م، أي منذ نحو القرن، وكان أول من نشرها السيّد “محيي الدّين الكردي”، من بهائيي مصر، وكان شيخا أزهريا قدم الى تونس مبلغا بالدين الجديد. بعد ان كلفه بذلك عباس أفندي (1844 -1921) الذي زار مصر 1910-1913 وخاض نقاشا مع النخب المصرية وجذب أتباعاً جُدد في رحلته للدعوة للبهائية في اوروبا والولايات المتحدة، كما وضحنا ذلك في المقال الخاص بالبهائيين في مصر.
يتطابق ذلك، مع نص عبدالحميد الخميري الذي راجعه فؤاد كلستانة، والذي يعد الوثيقة الوحيدة المتاحة عن بدايات الدعوة البهائية في تونس وانتشارها ضمن أربعة مراحل، تنتهي الاخيرة بنهاية الحرب العالمية الثانية واستقلال تونس، لتبدأ البهائية طورا جديدا في ظل حكم وطني آمن في ظله عدد من التونسيين بالدين البهائي. لكن الموقع لا يكشف معلومات تفصيلية او يحلل وضع البهائيين في ظل الثورة، ويبدو البهائيون في شمال افريقيا وتونس بشكل خاص، مثل أخوتهم البهائيين في مناطق أخرى من الشرق الاوسط، لا يفارقون وضع “الاقلية في الظل”.
وتكشف مراجعة سريعة لتاريخ علاقة البهائيين بالدولة في تونس عن وضع مماثل لوضعهم في دول عربية أخرى، إذ بعد استقلال تونس عام 1956، لم تمنح السلطات الجديدة ترخيصاً قانونياً للنشاط البهائي، لكنها في المقابل لم تغلق المركز البهائي العام في العاصمة، وغضت الطرف عن نشاط البهائيين من دون أن تعترف بهم رسمياً، على نحو مماثل لدول أخرى مثل العراق، مع ان البهائيين العراقيين أستعانوا بقانون الجمعيات لتسجيل المحفل المركزي في بغداد نتيجة عدم الاعتراف الرسمي بهم كديانة مستقلة.
وتعين على البهائيين في ظل حكم أول رئيس لتونس بعد الاستقلال (مرحلة الحبيب بورقيبة الذي حكم البلاد بين 1957-1987) ان يعيشوا في ظل سياسة أخضعت الشأن الديني بالكامل لسلطة الدولة، ومنعت مؤسسة الزيتونة التي تعد أقدم مركز عربي وأسلامي سني للتعليم الديني من لعب أي دور في المجال العام، والغت المحاكم الدينية وأممت الاوقاف وبثت الروح العلمانية في صلب الهوية الوطنية التونسية.
هذه السياسة التي طردت الدين من المجال العام، كانت تتضمن جانبا أيجابيا يتعلق بعدم استخدام الدين لأغراض اضفاء الشرعية على نظام الحكم أو توظيفه سلطويا، لكن في حال اقلية دينية مثل البهائيين، لم تحسن من وضعهم القانوني او حرية أعلان هويتهم الدينية.
وكانت هذه السياسة في ظل علاقة الدولة بالبهائيين ذات اتجاهين : أتجاه من قبل افراد الأقلية تجاه محيطهم الاجتماعي أفقيا وعلاقتهم مع السلطة عموديا من جهة، و تحرك غير عنيف من قبل السلطة تجاههم من جهة ثانية، فقد فضل البهائيون العمل بصمت، والاستسلام لسياسة الآمر الواقع الذي حرمهم من الوجود القانوني، ومن الجهة المقابلة كانت السلطة تتعامل معهم بشكل غير رسمي من خلال المحفل الروحاني المركزي، الذي واصل نشاطه وانتخاباته السنوية بالرغم من غياب رخصة العمل القانوني.
ولكن لم يستمر الوضع على ما هو عليه طويلا، وخرج البهائيون أو إُخرجوا من الظل رغما عنهم. فبعد تسع سنوات من قرار حظر البهائية في مصر 1960 وأربع سنوات من صدور قانون السلامة الوطنية في العراق 1965 الذي ترتب عليه تجميد وحل المحفل المركزي في بغداد والتحفظ على محتوياته، صدر في عام 1969 في تونس قانونً يتعلق بـ”الاجتماعات العامة والمواكب والاستعراضات والتظاهرات والتجمهر”، ترتب عليه حل المحفل الروحاني الإقليمي لشمال غرب إفريقيا، الذي كان مقره تونس.
ومع إن المحفل الروحاني التونسي أعاد تشكيل نفسه من خلال انتخابات عام 1972. إلا ان سنوات الثمانينات جاءت بحملة ضد البهائيين، مماثلة لحملة الاعتقالات الجماعية التي حصلت ست مرات في تاريخ البهائيين المصريين المعاصر، وحملة اعتقالات البهائيين العراقيين الشهيرة 1974-1979 ، ففي عام 1984 أغلقت السلطات التونسية المحفل المركزي للبهائيين واستجوبت افراد الطائفة، ومثل هذه الحملات كانت ترافقها كالمعتاد حملة إعلامية تشويهية تحمل الصور النمطية والقوالب المسبقة ضد البهائيين والبهائية، مثل كونها حركة هدّامة ولها صلات مشوبهة بالاستعمار والصهيونية. وفي السياق التونسي أصبحت البهائية ذات صلة بالاستعمار الفرنسي.
وتشير المصادر الى ان هذه الحملة جاءت في سياق سياسة انتهجها رئيس الوزراء التونسي “محمد مزالي” المقرب من الحركة الإسلامية، وغذتها وسائل اعلام مطبوعة ذات صلة بحركة الاتجاه الإسلامي (النهضة لاحقاً)، والتي كانت تمثل فرعاً لجماعة الإخوان المسلمين في تونس. وتعرض البهائيون لاعتقالات، لكنها لم تصل أكثر من حدود الاستجواب، وعلى نحو لم يصل الى الحد المقلق الذي واجه البهائيين في العراق ومصر واليمن ولبنان وإيران.
ويبدو ان حال البهائيين في زمن الرئيس “بن علي” أصبح اسوأ مما كان عليه في زمن “بورقيبة”، لا سيما بعد أن سعى الرئيس الجديد في اعقاب انقلابه السلمي 1987 الى استخدام الدين لتعزيز شرعيته، وتشديده على القيم والهوية الاسلامية. بل وصل الأمر الى صدور فتوى عام 2008 من طرف مفتي الديار التونسية تكفّر البهائيين بناءً على مخرجات مؤتمر علماء المسلمين، وبذلك حسمت المؤسسة الدينية الاسلامية الرسمية موقفها بطرد البهائيين من دائرة القبول العام، على النحو الذي فعلته مثيلاتها في ايران والسعودية ومصر.
ويلخص “محمد بن موسى” وهو استاذ جامعي وناشط من مكتب الإعلام في الجامعة البهائية في تونس حال البهائيين في ظل حكم “بو رقيبة” و”بن علي” بقوله “كان الوضع صعبا على البهائيين، إذ وقع ايقاف عمل محافلنا ومؤسساتنا وتعرضنا للتضييق، بل وحتى لاستجوابات بوليسية. وأثناء هذه الفترة كان البهائيون يعلنون عن دينهم ويشاركون إخوانهم مبادئه، لكن مساحات الظهور المتاحة كانت قليلة”.
بعد الثورة أتيح للبهائيين فرص واعدة، فقد أنشاؤا لاول مرة موقعا رسميا عن البهائيين في تونس، للتعريف بالدين على نحو يبدد الصور النمطية عنه، كما يضم قسما موجزا عن تاريخ البهائية في تونس، لكن الاهم، وحسب ما يعكس مزاج تونس ما بعد الثورة، انه يقترح المشاركة في حوارات سائدة المجتمع من وجهة النظر البهائية في موضوعات مثل : هويتي.. إنسانيتي، بناء مواطنة فعالة، مساواة المرأة والرجل.
ويشرح “بن موسى” رؤية البهائيين التونسيين حول التحديات التي تواجه المجتمع التونسي في ظل المرحلة الانتقالية، ودور البهائيين في مساعدة المجتمع الأوسع على أنجاز مواطنة كمخرج أساس لهذا الانتقال، بقوله “نحن نعتقد أن مجتمعاتنا لم تتعود التنوع والتعايش الإيجابي مع الآخر المختلف. فالآخر المختلف عنا في لونه أو عرقه أو دينه يخيفنا ويشكل خطرا وهميا على هويتنا. وعليه كان الشغل الشاغل للبهائيين في تونس المشاركة في الحوارات السائدة المتعلقة بالمواطنة والمساواة وترسيخ ثقافة التعايش واعتبار المواطنين أعضاء جسد واحد يحس بعضها باتراح وافراح الآخر”.
ويضيف “هكذا نُسهم في توسيع دائرة المواطنة الفعلية وفي ارساء الحق في العيش والمشاركة الفعالة لجميع المواطنين في إثراء الشأن العام والفضاء الاجتماعي دونما إقصاء أو اعتبار اي علوية لدين او لون او عرق أو ايديولوجية على حساب الآخر، بل نرى في خلفية الآخر – بما فيها ديننا البهائي – رصيدا مثريا للحوارات السائدة ومصدر الهام يمكن ان نكتشف من خلاله حلولا لقضايا العصر. في هذا الصدد يتفضل حضرة بهاءالله قائلا: أَنِ اهْتَمُّوا بِمَا يَحْتَاجُهُ عَصْرُكُمْ، وَتَدَاوَلُواْ مُرَكِّزِينَ أَفْكَارَكُمْ فِي مَتَطَلَّبَاتِهِ وَمُقْتَضَيَاتِهِ”.
ولا شك ان التحديات التي تواجه المجتمع التونسي تحتاج الى تكاتف جميع التونسيين لمواجهة مخاطر أخرى مثل أنجذاب الشباب التونسي الى السلفية الجهادية بسبب فقدان البوصلة وانحسار الامل بتحقيق تغيير حقيقي والاحباط المتراكم وخيبة الامل. ومن ثم، فإن الانفتاح على التنوع الموجود في المجتمع التونسي و أنخراط المجتمع المدني و تمكين المجتمع من أستخدام الادوات المؤسسية للديمقراطية عاملا محفزا لمزيد من مشاركة الشباب بالشأن العام، سوف يرسم علامة مشجعة.
في هذا السياق، كان للبهائيين دور في المشاركة في كتابة الدستور تحت قبة البرلمان التونسي كجزء من المجتمع المدني، وأدلى البهائيون بوجهة نظرهم في المواطنة والتعايش والحريات. كما دعي البهائيين مرات عدة في رحاب الجامعات والمنتديات والقنوات التلفازية والإذاعية لتقديم مداخلات ومحاضرات.
لكن، هذه الومضات الأيجابية يحبطها سيادة القوالب النمطية ضد البهائيين، والاحكام المسبقة، ويحددها درجة الانفتاح بعد الثورة، التي لم تصل الى مرحلة يمكن الحديث فيها عن قبول للأخر الداخلي، أو احتواء المخاوف الجماعية اللامعقولة، فقد تقدم البهائيون من أجل مزيد من الانخراط في جهود المجتمع المدني سالفة الذكر من خلال جمعية تحمل أسم “الجمعية البهائية في تونس” لكن جوبه مطلبهم بالرفض كما يبيّن “بن موسى”، فمن وجهة نظر الخطاب الرسمي للحكومة التونسية يُعد البهائيون دينا غير سماوي، لذا رفع اعضاء الجمعية قضية للمحكمة الادارية للطعن في قرار رئاسة الحكومة بالرفض، وما تزال القضية حتى كتابة هذه السطور في طور التقاضي.
وعلى ما يبدو فإن دائرة القبول الرسمي في تونس تحددها السياسة الحصرية لحرية الدين والمعتقد، التي ما يزال البهائيون يواجهون تبعاتها في ايران والعراق ومصر واليمن ودول شرق أوسطية أخرى. لذا، تضع قضية عدم الاعتراف بالبهائيين مخرجات عملية الانتقال نحو الديمقراطية في تونس تحت المحك ايضا.
وبسبب “وضع الاقلية في الظل” وسيادة المقاربة الأمنية التي تنطلق من كون التنوع تهديد لوحدة الدولة او النظام، وهذه أحدى محددات ومهيمنات خطاب دولة ما بعد الاستقلال من الاستعمار في الشرق الاوسط وشمال افريقيا، لن تتجاوز معرفة البهائيين حلقات النخب الضيقة، وستظل قطاعات واسعة من المجتمع في تونس، كما في بلدان أخرى مجاوره تعتقد أنه لا وجود لأي تنوع في البلاد.
وحتى لو كانت الفرصة التي شهدتها تونس بعد الثورة تتيح أمكانيات لبناء نموذج مواطنة جديد منفتح على التنوع، أو مواطنة حاضنة للتنوع، إلإ ان مخاطر الألغاء وبروز نزعات العنصرية والجهوية والعداء للآخر المختلف دينياً وعرقيا تظل تحديا راهنا يصعب تجاوزه، ما لم يتم توسيع نطاق مفهوم حرية الدين والمعتقد وكسر الدائرة الحصرية لقبول الأخر، والمحددة ضمن معتقدات وأديان وثقافات معينة.
هذه مهمة جديرة بنا جميعا، مهمة تتطلب العمل الجاد المشترك وارادة سياسية تتسم بالشجاعة من أجل التغيير، مهمة تقع على عاتق النخب الدينية والمدنية، النساء والرجال الأحرار في جميع بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ويلخص “بن موسى” هذا السعي بقوله “علينا أن نبذل جهداً أكبر لتكريس التعايش، في ظل الهويات المتناحرة وإيجاد نقطة مشتركة لنا جميعاً كمسلمين وبهائيين، عرب وأمازيغ، سُنَّة وشيعة، من أجل هذه البلاد”.

ABN Bahá’í News

For more details, followed ABN Bahá’í News Facebook Page

https://www.facebook.com/ABN.BahaiWorldNews/

Share This:

You may also like...