محنة البهائيين في بلاد الثماني عشرة طائفة

بعض ما نشرته صحف لبنانيه عن حضرة عبدالبهاء
بعض ما نشرته صحف لبنانيه عن حضرة عبدالبهاء

ABN Bahá’í News    -محنة البهائيين في الشرق الأوسط (5)
بقلم الكاتب الصحفي / سعد سلوم

البهائيون في بلاد الثماني عشرة طائفة
ونحن نتناول القهوة في أحد مقاهي بيروت، سألت “رمزي زين” عن حدود الاعتراف بالبهائيين في لبنان “بلد الأرز والطوائف الثماني عشرة”، و رمزي لبناني من أب بهائي وأم بروتستانتية ، نشأ في كنف أسرة بهائية، وكان يرافق والدته الى الكنيسة وهي تمارس الشعائر المسيحية (اعتنقت الدين البهائي في العقد الخامس من عمرها)، وقرأ الإنجيل والقرآن واطلع على البوذية وديانات اخرى الى ان أختار أن يكون “بهائيا”، فالبهائيون لا يختارون دينهم قبل بلوغ سن الخامسة عشرة.
كانت إجابته عن سؤالي تحمل سخرية مريرة “لدينا مقبرة ندفن بها موتانا في خلدة وأخرى في مشغرة أُنشئت عام 1971، وهذا يعد تقدما في الاعتراف بالبهائيين، إذ اصبح لهم الحق في الموت كبهائيين، بعد أن حُرموا من حقوق المواطنة الكاملة كلبنانيّين بسبب عدم الاعتراف الرسمي بالدين البهائي”.
يعد “رمزي” وهو في العقد السابع من العمر من الجيل الثاني من البهائيين اللبنانين، فهو نجل المؤرخ والأستاذ الجامعي الدكتور “زين نور الدين زين” أستاذ التاريخ في الجامعة الأميركية، والبهائي الشهير صاحب المؤلفات التاريخية التي أصبحت مراجعَ مهمة بالإنكليزية والعربيّة لتاريخ الشرق الاوسط مثل: نشوء القومية العربيّة، الصراع الدولي في الشرق الأوسط وولادة دولتي سوريا ولبنان، وسواهما من مؤلفات تاريخية.
لكن على الرغم من جميع هذه المؤلفات عن تاريخ نشوء الدول الوطنية، فإن تاريخ البهائيين في لبنان لم يدوّن كما ينبغي حتى الآن، سوى ما تذكره بعض المواقع البهائية اللبنانية وعدد من المقالات النادرة من معلومات عامة. يؤرخ (موقع البهائيين في لبنان) على سبيل المثال لحضور البهائيّين في لبنان إلى نهايات القرن التّاسع عشر، عندما جاء إليه عددٌ منهم واستقروا فيه. ثم بعد فترةٍ من إقامتهم في البلاد نشروا رسالة الدين الجديد بين الناس، فآمنت عدّة عائلات لبنانية بمبادئه وتعاليمه، و انتشر البهائيّون، مع نهاية القرن التّاسع عشر، في منطقة بيروت والبقاع الغربي. فضلا عن انتقال العديد من العائلات البهائيّة الى لبنان من البلدان القريبة للعمل، فاستقرّوا فيه واندمجوا بالمجتمع اللبناني.
وعلى الأقل يمكن تمييز الوجود البهائي بشكل واضح في بلدة مشغرة البقاعية، إذ انتشرت البهائية هناك منذ أن اعتنق إمامها الشيخ جعفر الطحان البهائية وتبعه أفراد البلدة، وما يزال افرادها يمارسون قناعتهم الدينية بحرية منذ وفاة الشيخ جعفر في عشرينيات القرن الماضي (1923).
وقبل وفاة الشيخ الطحان بأكثر من ثلاثة عقود زار عبدالبهاء المعروف بـ”عباس أفندي” بيروت أكثر من مرة، وحدث ذلك قبل زيارته الشهيرة الى مصر 1910-1913 التي خاض خلالها نقاشات مع مختلف النخب المصرية قبل توجهه الى الغرب لنشر الدين. وفي زيارته لبيروت صيف 1887، التي يبدو إن انتشار البهائية في لبنان قد أرتبط بها، التقى بالنخب الدينية والثقافية وعدد الصحافيين ورجال دين وشخصيات من العائلات اللبنانية المعروفة، وبذلك سبق النقاش عن البهائية مع النخب اللبنانية، النقاش الشهير والواسع الذي خاضه عبدالبهاء مع نخب مصر. وأصبح للنظام التربوي الرائد والعريق في لبنان الذي يسمح بإنشاء مؤسسات تعليمية من مختلف الثقافات ويشجع التعليم بلغات مختلفة بالإضافة للعربية، بوابة للبهائيين لإثراء الثقافات العربية والعالمية في التعريف بالبهائية وقيمها العابرة لحدود التقسيم الدينية واللغوية والسياسية، بفضل مستوى التعليم المتميز الذي حصلوا عليه في لبنان. فقد التحق عدد من الطلاب البهائيّين المقيمين في بيروت بالجامعة اليسوعيّة والكليّة الإنجيليّة السّوريّة (الجامعة الأميركية) للدّراسة. وكان حفيد عبدالبهاء والمدعو “شوقي أفندي” مؤلف كتاب “القرن البديع” الذي يؤرخ لمئة عام من تاريخ الديانة البهائية، من بين الطّلاب البهائيّين الّذين درسوا في الجامعة الاميركية خلال تلك الفترة، وقد قيض لشوقي أفندي أن ينقل الآثار البهائية الى اللغة الانكليزية ويقوم بتعريف الدين الجديد الى الغرب. كما درس فيها ابرز الشخصيات البهائية الأخرى مثل “سهيل بشروئي”.
وبرغم كون طبيعة أرض لبنان الجبلية الممانعة كمعظم جبال بلاد الشام كانت ملاذًاً للمضطهدين في المنطقة منذ القدم، وجذور شعبه متنوعة تشمل مروحة فينيقية رومانية تركية فارسية عربية، وحتى جذور اوروبية من عهد الفرنجة (الصليبيين) وفترة الانتداب الفرنسي، والتي جعلت من لبنان إيقونة التعددية في الشرق الأوسط وقلعته الأخيرة، الإ إن بلدا يعترف رسميا بـ 18 طائفة دينية لا يعترف بالدين البهائي لحد هذه اللحظة، بعد مرور أكثر من قرن على الوجود البهائي في لبنان، وتحول العديد من أفراد الطوائف الدينية اللبنانية المختلفة الى الدين البهائي، ولا يقتصر ذلك على المسلمين، بل أفراد الاقليات الدينية غير المسلمة أيضا.
لا تعترف الدولة اللبنانية رسمياً بالبهائية أسوة بمثيلاتها العربية على الرغم من عراقة أعترافها بالتعددية الدينية وتنوع جذورها، وكونها البلد العربي الوحيد الذي يترأسه مسيحي، علماً ان عدداً من البهائيين سجل على “إخراج قيده” كلمة البهائية وتصنيف عدد منهم في الانتخابات النيابية والبلدية في عداد الاقليات. لكن ما يزال النظام الرسمي لا يعترف بعقود زواج البهائيين بخلاف ما هو حاصل في الاردن مثلاً وفي مملكة البحرين، وهما استثناءان في سياق شرق أوسطي الغاءي. وعادة يضطر البهائيون -ومن يختار الزواج المختلط من طائفة دينية أخرى- التوجه الى قبرص او أي بلد يسمح بالزواج المدني خارج البلاد، ثم يسجلون العقد المدني في الدوائر والمحاكم المدنية الرسمية بعد عودتهم للوطن، وكالعادة يسجل الأولاد في خانة مذهب الاهل.

وبمقدار ما يثير تصميم نظام لبنان التوافقي من مشاعر متضاربة وأفكار متناقضة في عصر نهاية الدولة/الأمة، فإن الرموز الثقافية العابرة لخطوط الأنقسام التي انتجها لبنان طوال تاريخه مثل “جبران خليل جبران” و”أمين الريحاني” أنطوت على أيمان بالوحدة في التنوع، من خلال الأجماع على المشترك الانساني ونبذ التعصب والايمان بأخوة البشر ووحدة الجنس البشري في المصير، وهي قيم يتمحور من حولها الدين البهائي منذ أن تأسس في القرن الثامن عشر ويعلنها في مبادئه.
وفي تاريخ لبنان المعاصر، محطات لقاء فريدة بين رموز الثقافة اللبنانية ورموز الدين البهائي، ويضرب “أمين الريحاني” و”جبران خليل جبران” كمثالين بارزين في هذا السياق، فقد عاصرا “عبد البهاء” نجل “بهاء الله” مؤسس الدين البهائي، وشاركاه أيمانه وقيمه بأهمية توحيد الجنس البشري، وقد تأثر “أمين الريحاني” بتعاليم “عبد البهاء” الذي زار الولايات المتحدة 1911-1912، حسب شهادة الدّكتور فكتور الكك في كتابه “أمين الرّيحاني، داعية وحدة الأديان ووحدة العوالم”.
أما علاقة الأديب اللبناني “جبران خليل جبران” بالبهائية والبهائيين، فتعود الى عام 1910 عندما تعرف على البهائية من خلال بهائية أمريكيّة تدعى “جوليت تومسون”، وعندما وصل “عبد البهاء” إلى نيويورك في 11 نيسان 1912، كان جبران من أوائل الّذين التقوا به في منزل جوليت. كان “عبد البهاء” آنذاك في الثّامنة والسّتّين من عمره، فيما كان جبران في ربيعه التّاسع والعشرين. وحسب ما يذكر موقع البهائيون في لبنان “بعد أربعة أيّام من قدوم حضرة عبد البهاء إلى نيويورك، وصل خبر غرق سفينة تيتانيك، فغمر جبرانَ الحزنُ لأنّ أكثر من خمسين لبنانيًّا كانوا من بين الغرقى. ذهب في ذلك اليوم للقاء حضرة عبد البهاء، ودعاه لإلقاء خطبة أمام جمعيّة “الحلقة الذّهبيّة”في نيويورك عن وحدة الأديان”.
ترك لنا جبران لوحة وجه “عبد البهاء” ما زالت موجودة في متحفه حتّى يومنا هذا كدليل على تأثره بالروحانية التي ينطوي عليها شخص “عبد البهاء”، وحسب ما يذكره الموقع أيضا “بعدما أنهى جبران رسم حضرة عبد البهاء، ذكر لجوليت أنّه: “لأوّل مرّة أشاهد هيكل إنسان على قدر من النّبل يجعله أهلاً ليحلّ فيه الرّوح القدس”. بعد أعوام من لقاء جبران بحضرة عبد البهاء، وعندما كان يكتب كتابه (يسوع ابن الإنسان)، نقلت جوليت عنه قوله لها إنّ شخص حضرة عبدالبهاء كان موجودًا في مخيّلته”.
تتبدى القيم التي تشاركها هولاء الخالدون كقيم لازمة للحفاظ على تنوع الشرق الاوسط اليوم، وسط التهديد بتفكك الدولة بعد عقود من تغولها في كل من العراق وسوريا، وصولا الى سيادة الفوضى وانهيار مؤسسات الدولة في اليمن، وتحديات عدم الاستقرار في مصر، وفشل الدولة في أدارة التنوع في بلدان أخرى يعيش فيها البهائيون منذ عقود ما قبل الاستقلال عن الاستعمار وتأسيس الدولة الوطنية.
ومثلما كانت القيم التي دعا لها “عبد البهاء” و”جبران خليل جبران” و”أمين الريحاني” حاضرة في تاريخ لبنان المعاصر، أرتسمت تماما قيم أخرى مضادة وهدامة والغائية من قبل نخب البزنس الطائفي، ويمكن تلمس صدى القيم الأولى في حياة وعمل أبرز البهائيين اللبنانيين، البروفسور “سهيل بشروئي” داعية السلام العالمي وحوار الأديان.
قضى “بشروئي” خمسين عاما من العمل الأكاديمي في العديد من الجامعات في الشرق الأوسط وأوروبا وأفريقيا والولايات المتحدة، وكانت آخر محطاته التعليمية بجامعة “ميريلاند” University of Maryland حيث استمر في العطاء التعليمي والبحثي أكثر من عقدين. ينتمي “بشروئي” الى عائلة بهائية عريقة تعود لبدايات أنطلاق الدين البهائي. وتعد حياته مثالا حيا للعمل من أجل ترجيح القواسم الروحية والتراثية المشتركة للجنس البشري، من خلال إسهاماته البارزة في الحوار بين الأديان والثقافات وإقامة جسر بين الشرق و الغرب، في ما يعد ترجمة التزامه بتعاليم الديانة البهائية وتحقيق مبدأ جوهري للدين البهائي هو وحدة العالم الإنساني.
أثناء مسيرته درس البروفسور “بشروئي” في العديد من الجامعات في إفريقيا و اوروبا و الشرق الأوسط و أمريكا، وكان أول حامل جنسية عربية يعيّن رئيسا لقسم اللغة الإنجليزية في الجامعة الأميركية ببيروت (1968-1986). ألف باللغتين العربية والإنكليزية العشرات من الكتب والمقالات الأكاديمية تناولت مجالات الأدب و الدين و النظام العالمي. وفي سنة 1992م أصبح أول مشرف على الكرسي البهائي للسلام العالمي Baha’i Chair for World Peace بجامعة ميريلاند، إذ عمل على تطوير بدائل للنزاعات والصراعات العنيفة من خلال الاستفادة من الحلول الروحانية للمشاكل والإشكاليات الاجتماعية العالمية، وتقاعد من هذا المنصب سنة 2005م.
تولى البروفسور “بشروئي” رئاسة كرسي جبران خليل جبران من اجل القيم و السلام بجامعة ميريلاند حتى أوائل سنة 2015م. ونال وسام الاستحقاق اللبناني من رئاسة الجمهورية اللبنانية في عهد الرئيس “امين الجميل”، وميدالية الاستحقاق الفضية قسطنطين وسان جورج من دولة الفاتيكان التي تمنح للشخصيات المدنية و العسكرية، من ضمن جوائز أخرى.
ويُعد كتابه “تراثنا الروحي من بدايات التاريخ إلى الأديان المعاصرة” (دار الساقي 2012) من أبرز نتاجاته التي تعكس إيمانه بدين الحبّ الجامع بين الأديان. حاول بشروئي أن يبيّن أن التراث الروحي، تراث إنسانيّ عالميّ وليس ميراثاً حصريّاً لفئة من البشر تحتكر الحقيقة الالهية وتستبعد سائر المجموعات البشريّة منها. فكان أستعماله عبارة “التراث الرّوحي” بدل “التراث الدّيني” في سرده للأديان التي توالت وتتوالى في تاريخ البشر، يعد تأكيدا على أنّ الأبعاد الروحيّة في الأديان هي التي توحّد أبناء الأرض وتحقّق السلام، وليس التقاليد الموروثة التي تفرّق بين الناس وتحوّلهم إلى شيع ومذاهب متناحرة.
هذه رسالة عميقة توجه لجميع ابناء الشرق الأوسط على اختلاف خلفياتهم إلإثنية والدينية واللغوية، وفي ظل الظروف العصيبة التي تمر بها بلداننا، قد تكون هذه هي رسالة البهائيين الى لبنان أولا، ورسالة لبنان الى دول المنطقة ثانيا، فبعد الفوضى والخراب اللذين حلّا بالعراق وسوريا، تظل لبنان آخر معقل للتعددية في الشرق الأوسط.

ABN Bahá’í News

For more details, followed ABN Bahá’í News Facebook Page

https://www.facebook.com/ABN.BahaiWorldNews/

Share This:

You may also like...