محنة البهائيين فـي الشرق الأوسط – البهائيون في المملكة الهاشمية

احتفالات البهائيون في الاردن مع الاصدقاء
احتفالات البهائيون في الاردن مع الاصدقاء

ABN Bahá’í News  

بقلم الكاتب –  سعـد سلوم

تضم خريطة التنوّع في المملكة الأردنية الهاشمية أغلبية مسلمة (حسب التقديرات ما بين 95 و97 في المئة من السكان)، معظمهم من المسلمين السنّة، أما الأقليات الدينية حسب الترتيب العددي، فيأتي في مقدمتهم “المسيحيون”، 150 ألف شخص (نحو 3 في المئة من السكان).
يأتي من بعدهم “الدروز”، ويُطلقون على أنفسهم أو يفضلون تسمية عشيرة “بنو معروف” ويصل عددهم حسب التقارير إلى نحو 000 15 شخص، وجميعهم مسجّلون كمسلمين. أما الأقلية الشيعية في الأردن، فلا يتجاوز عدد أفرادها بضع مئات من الأفراد. وهناك أقليات إثنية مثل الشركس (جرت العادة على أن يكون الحرس الملكي الخاص منهم) والشيشان الذين يشكلون مجموعة أصغر مقارنة بالشركس، فضلا عن أقلية صغيرة أيضا تُعدّ بالمئات من الألبان.
أما الطائفة البهائية، فقد تضاربت التخمينات عن عددها ما بين تقديرات رسمية أو غير رسمية. ويذكر البهائيون عدداً يصل الى 800 شخص، أما تقرير وزارة الخارجية الاميركية عن حالة الحريات الدينية في الأردن فيصل بالعدد الى ألف شخص، والأخير يمثل التقدير التقليدي لعدد البهائيين في معظم البلدان الذين لا يشكلون فيها أقلية واضحة العدد (العراق، تونس، المغرب، البحرين، اليمن ولبنان).
ويذكر موقع “البهائيون في الأردن” أن للمملكة الهاشمية “مكانة خاصّة في قلوب البهائيّين، حيث زار حضرة عبدالبهاء قرية العدسيّة التي سكنها البهائيّون أربع مرّات متفقّداً سير العمل وموصياً بخدمة المجتمع الإنسانيّ تحقيقاً لمبدأ من مبادئ حضرة بهاء الله”. وما يزال للبهائيين حضورهم الواضح في هذه المنطقة. ويذكر وجودهم في تلك المنطقة وتحويلها الى حديقة ساحرة، ببساتين النخيل والحمضيات الخلابة الجمال في محافظة ديالى التي اعتنوا بها وزرعها البهائيون في العراق منذ نهاية القرن التاسع عشر.
ويبدو أن زياراتهم الاولى ارتبطت بالهجرة هرباً من الاضطهاد الإيراني “القاجاري”، أو لتتبع رحلة نفي “بهاء الله” مؤسس الدين البهائي وصولاً الى عكا، لكنهم اخذوا بالتجمع في أماكن محدّدة. مثل “قرية العدسيّة” في شمال الأردن، التي سكنوها عام 1902، واستصلحوا أراضيها الزّراعيّة وطوّروها الى أن أصبحت قبلة الزائرين من أفراد المجتمع والشّخصيّات المرموقة بقصد التنزّه والاستمتاع بالطّبيعة الخلّابة. ويمثل تطوير المنطقة، على هذا النحو، شاهداً على الاهتمام البهائي بجمال الارض والأحتفاء بالطبيعة. ومن خلال التفنن بالزراعة، أثبت البهائيون كيف يمكن لجماعة دينية تبحث عن ملاذ نتيجة الاضطهاد ومن أجل حماية قناعاتها الدينية، أن تحيل منطقة جرداء الى جنة حقيقة؟ إذ تحوّلوا الى أقلية دينامية وذكية استصلحت مساحات شاسعة من الأراضي بفضل خبرتهم، و تحوّلوا الى جماعة منتجة تستخدم آليات وطرق زراعية حديثة، وأنتجوا العسل، حتى إن أفضل “ماء زهر” يمكن شراؤه في المملكة، إنما تنتجه مزارع الورد الخاصة بالبهائيين، حسب ما يذكر السكان المحليون، وأدخلوا محاصيل زراعيــة لم تكن معروفة في المنطقــة مثل الموز والحمضـــيات والباذنجان الذي ما زال يســـمى “العجمي” نسبة إلى التسمية التي كانت تطلق على البهائيين الأوائل.
بنى البهائيون أول حظيرة قدس في تلك المنطقة عام 1931، وما يزال البناء قائماً هناك، كما انشأت فيها أول مقبرة بهائية، لكنها اغلقت منذ عقود، تقريبا منذ 1968، وهي تضم رفات المهاجرين الأوائل من البهائيين كأحد أقدم الآثار على رحلة انتشار الدين الجديد في عموم بلدان الشرق الأوسط، وقد ألحقتها وزارة الأوقاف في منتصف السبعينيات، الا انه لم يتم دفن موتى المسلمين فيها، وهي منذ ذلك التاريخ مهجورة ومليئة بالصخور، ما يجعل من الصعب الوصول إلى القبور، حسبما يفيد البهائيون.
لكن يبدو إن البهائيين منذ ستينيات القرن الماضي، بدأوا يفقدون العديد من أراضيهم. فبعد فتح قناة الغور الشرقية، وضعت الحكومة يدها على الملكيات الزراعية هناك، وقدمت تعويضات لأصحابها، ثم قسمتها إلى حصص وباعتها لأفراد.
ولذلك أصبحت حظيرة القدس التابعة للبهائيين عند توزيع الحصص الزراعية جزءاً من ملكية الشيخ “عبدالرحمن الواكد”، ولكن ما يزال البهائيون يزورونها بوصفها جزءاً من تاريخهم في المنطقة، فهي بمثابة “مكان مرجعي” انطلقوا منه في ما بعد لينتشروا في مناطق أخرى من البلاد، وترافق انتشارهم مع مزاولتهم مهناً أخرى غير الزراعة، مثلما كان الجيل الأول يفعل، وهو تطوّر طبيعي لا يرتبط بالبهائيين فحسب، بل مع الهجرة التي تشمل جميع السكان وتركزهم في المدن مع نمو الوعي والمتطلبات المرتبطة بالتحولات الاقتصادية والاجتماعية.
ويبدو أن تحولهم من “أقلية متمركزة” جغرافيا الى أقلية منتشرة ارتبط بتخصيص مقبرة جديدة وبناء حظيرة قدس جديدة بدل القديمة في العدسية. ففي الخمسينيات، أصدرت بلدية “إربد” قراراً خصصت بموجبه، جزءاً من المقبرة الاسلامية في البلدة لأبناء الطائفة البهائية في المدينة، وفي بداية الثمانينيات قام البهائيون ببناء “حظيرة قدس” ثانية في إربد.
مع ذلك، وفي عالم الحلول البديلة لجماعة دينية واجهت المحن منذ قرنين من ولادة مؤسسها، ما يزال البهائيون لا يملكون أي معبد أو محفل بشكل رسمي، أو تم تسجيله رسميا على الأقل، وبدلا من ذلك لديهم مركز اجتماعي في اربد وآخر في عمّان، والمحفل المركزي والمحافل المحلية موجودة بحكم الواقع، لكنها غير مسجلة رسميا، ودون بناء خاص بها.
وفي هذا العالم الذي حُرِم فيه البهائيون من الإعتراف الرسمي، حُرموا من المزايا العملية المقترنة بالإعتراف بالطوائف الدينية، ومنها : حرية البت في القضايا المتعلقة بالأحوال الشخصية، في مجالسها الدينية الخاصة، وطبقاً لقوانينها اللاهوتية الخاصة، الإعانات المالية من الدولة والإعفاء الضريبي.
وعادة تلجأ الطوائف الدينية غير المعترف بها للحصول على اعتراف من نوع آخر حسب القوانين المرعية، أو حل بديل في سبيل الحصول على شخصية معنوية وكيان قانوني من أجل خلق وضع ديني مستدام للطائفة، فتسجل بموجب قانون الأموال غير المنقولة، الذي يمنحها وضعاًً شبيهاً إلى حدٍ كبيرٍ بالجمعيات المسجلة.
لكن وضع البهائيين أشد تعقيداً في سبيل الظفر بوضع الشخصية الإعتبارية، فعدم الاعتراف يضاف له حرمانها كذلك من مزايا التسجيل بموجب قانون الأموال غير المنقولة، وهذا يجعلها تواجه مشاكل شديدة في تنظيم شؤونها الدينية، وتلك حالة “موت مدني” جماعي للطائفة، إذ لا يوجد لها كيان قانوني جماعي يؤهلها لكي تمارس أنشطتها في ظل القانون، مثل فتح حسابات مصرفية أو شراء عقارات او التعاقد لتسيير مختلف شؤونها الدينية والدنيوية. نتيجة لذلك، يقوم البهائيون الأفراد بخدمات تطوعية مكرسة للطائفة، بصفتهم الشخصية، أو أن تسجل عقارات مكرّسة للطائفة بأسماء شخصية (كما حصل في العراق منذ تأسيس محافل الطائفة).
ويعد عدم الإعتراف الرسمي للدولة متوافقا مع عدم اعتراف المؤسسة الدينية الاسلامية في الممكلة بالدين البهائي، وإن يكن الأخير أقل حدة من مثيلاته العربية والأسلامية، لكنه لا يخرج عن الخط العام للموقف التقليدي القاضي بعدم الاعتراف بدين لاحق على ظهور الدين الأسلامي، وقد أصدرت فتاوى عدة تتضمن هذا المعنى، ليست عدائية الطابع، لكنها تقرّ بموقف الشريعة الأسلامية النهائي بخصوص الإعتراف بالاديان السماوية المقر بها وفق النص القرآني. ومن أشهر فتاوى دائرة الافتاء بهذا الشأن، بتاريخ 1/ 3/ 2006 التي ورد فيها أنه “لما كانت الشريعة الإسلامية خاتمة الرسالات، وأن محمداً صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين، وأن الطائفة البهائية تقوم على فكرة الإيمان بنبوة مؤسس طائفتهم (البهاء)، لذلك فإن الاعتراف بهم كطائفة تدين بدين سماوي يؤدي إلى القول بنقض عقائد وأحكام الإسلام”. وهذا الحكم يبين موقف المؤسسة الدينية في رفض تسجيل انتماء البهائيين في بطاقة الأحوال الشخصية الى دين مستقل، وإدراج البهائية في خانة الديانات المقر بها، وقد وردت الفتوى كجواب عن سؤال بشأن الموانع التي تحول دون الإعتراف بكل من الطائفتين الدرزية والبهائية كديانتين.
يواجه البهائيون الذين لا يدخلون ضمن نمط الطوائف الدينية المعترف بها تحدياً يتعلق بتنظيم شؤون أحوالهم الشخصية وفق معتقداتهم الدينية، لا سيما في الزواج والطلاق وحضانة الأطفال والميراث. ومن الواضح أنه يترتب على ذلك، معضلات تتعلق بصحة عقود الزواج البهائية والوضع القانوني للأطفال الذي يولَدون في هذه الظروف. وقد أدى ذلك في بعض الحالات إلى معاملة هؤلاء الأطفال كأنهم مولودون خارج إطار الزواج من منظور القوانين الأردنية.
وبسبب عدم الاعتراف بالبهائية رسميا، فإنه لا توجد محكمة خاصة تنظر بقضايا واحكام الاحوال الشخصية الخاصة بهم، وبالتالي يطبقون هذه الاحكام في محافلهم الروحانية بحكم الأمر الواقع، وحتى الأخيرة غير معترف بها رسميا، بالتالي يضعهم ذلك في موقف صعب بأستمرار. ويخضعون في قضايا الأرث للشريعة الأسلامية على الرغم من أن للبهائيين احكام خاصة بالأرث تختلف عن المسلمين. وكثيرا ما تحل القضايا بين البهائيين بشكل ودي أو من خلال مجالسهم الروحانية تجنبا لوصولها الى محاكم رسمية ومن ثم تطبيق شريعة تخالف قناعاتهم الدينية.
تمتنع دائرة الاحوال المدنية في حالة زواج البهائيين عن إصدار شهادة زواج، ولكنها لتسيير شؤون البهائيين تمنح الزوجين “دفتر عائلة” بمعلومات تفتقر الى رقم عقد الزواج ومكانه وتاريخه، خلافاً للجماعات الدينية الأخرى، ويتم تصديق عقد زواجهم فحسب. وبالرغم من الحدود الضيقة لمثل هذا الاجراء، فإنه يعد تقدما في التعامل الرسمي مع البهائيين على صعيد بلدان المنطقة بوصفه أعترافا “اجراءيا” من حدٍ أدنى .
وبعد إقرار مجلس الامة الأردني بتاريخ 10-7-2014 قانون مجالس الطوائف المسيحية، ليحل محل القانون السابق “قانون الطوائف الدينية غير المسلمة رقم ( 2 ) 1938م، حُسم الجدل نهائياً بشأن الاعتراف بالطوائف الدينية خارج دائرة (الاسلام والمسيحية)، فتغيير أسم القانون من “قانون الطوائف الدينية غير المسلمة” الى ” قانون الطوائف المسيحية” يضع حداً لكل تأويل بوجود مرونة في الإعتراف الرسمي خارج الدينيين المعترف بهما في الأردن، على نحو يضع أمام البهائيين مجموعة من التحديات على صعيد المعاملات الشخصية من زواج وطلاق وميراث، حيث يخضعون لقانون الأحوال الشخصية المستمد من الشريعة الإسلامية، ويعامل أبناء الطائفة على أنهم مسلمون في المعاملات والمحاكم الشرعية.
لكن على مستوى الهوية الدينية للأفراد، فهناك مرونة أكبر، وعادة يُسجل الانتماء الديني للفرد على بطاقة هوية شخصية. وقبل حوسبة عملية إصدار بطاقات الهوية الشخصية في نهاية الثمانينيات من القرن الماضي، كانت الحكومة تراعي، أحياناً، الانتماءات الدينية للأفراد غير المنتمين للدينين الرئيسيين (الإسلام والمسيحية). فعلى سبيل المثال، كان البهائيون يسجلون الانتماء إلى الطائفة البهائية بخط اليد في وثائق الهوية الشخصية.
ولكن مع الحوسبة الكاملة لعملية إصدار بطاقات الهوية الشخصية، لم يعد هذا الخيار قائماً. ونتيجة لذلك، تنحصر الخيارات المتبقية في الإسلام أو المسيحية أو في خيار “لا دين” (ويشار إليه بشَرطة أو بضع نقاط). وفي هذا السياق يتعارض عدم الاعتراف بالبهائيين كطائفة دينية، وأرغامهم على أن يُعرَّفوا في بطاقات هويتهم الشخصية أو في الوثائق الرسمية الأخرى إما على أنهم مسلمون أو بلا دين، مع قناعاتهم الدينية وتصوّرهم لأنفسهم كمؤمنين بدين لاحق للاسلام.
حتم هذا الوضع القسري، على ما يبدو على البهائيين أن يختاروا الخانة الفارغة أو وضع بضع نقاط، لكن ذلك، من جهة ثانية، يفتح باب التمييز ضدهم، وأعتبارهم احيانا “من دون دين” حسب بعض القصص والشهادات التي أدلى بها بهائيون أردنيون.
لكن لحسن حظ البهائيين الأردنيين، صدر قرار برفع خانة الديانة من بطاقات الهوية الشخصية، أزال تمييزاً ليس له داعٍ في بلد تعددي ذي أغلبية مسلمة، إذ بدأت دائرة الأحوال المدنية والجوازات في الأردن، بالاستعاضة عن البطاقات الشخصية للمواطنين بأخرى “ذكية” تخلو من خانة الديانة. وبالطبع، لم يخلُ هذا القرار، وما رتّبه من نتائج، من اعتراض القوى التقليدية واستنكار بعضها، لكن إتجاه إرادة الدولة لحسم المسألة، أنهى الجدل بشأنها، فقد كانت الارادة الملكية المؤيدة لسياسة رفع الدين من البطاقة، والمتمثلة في زيارة الملك الاردني عبدالله الثاني بنفسه، دائرة الأحوال المدنية، وأصداره أولى هذه البطاقات التي تحتوي على شريحة إلكترونية شخصية، تحسم النزاع واللغط، وتمثل دعماً رسمياً لسياسة ينبغي تعميمها إقليمياً.

ABN Bahá’í News

For more details, followed ABN Bahá’í News Facebook Page

https://www.facebook.com/ABN.BahaiWorldNews/

Share This:

You may also like...