البهائيون فـي مملكة البحرين – محنة البهائيين فـي الشرق الأوسط (7)

ABN Bahá’í News    بقلم الكاتب / سعـد سلوم  

سعد سلوم

سعد سلوم

مملكة البحرين عبارة عن أرخبيل يتكوّن من 33 جزيرة، خمس منها فقط يقطنها السكان، بما فيها الجزيرة الأم (أكبرها جزر البحرين والمُحرَّق وأم النعسان وسترة). وبلغت مساحة الجزر اليوم، بسبب ردم الأراضي، 765 كيلومترا مربعا، وتعد دول قطر وإيران والسعودية أقرب الدول إلى مملكة البحرين، حيث يربطها بالأخيرة جسر يمتد بطول ٢٥ كيلومترا. وتقع جمهورية إيران الإسلامية في جنوب شرقي البحرين.
وفي بلد قائم على انقسام طائفي يُعد عنصراً أساسياً في الديناميات السياسية للبلاد، فإن أي استقطاب إقليمي بإمكانه الزج بالبلاد في حلقة من العنف، وبذلك يُعد وضع المملكة شبيهاً بهذه الحدود لأوضاع دول تعددية أخرى في الشرق الأوسط، مثل لبنان والعراق واليمن تواجه تاريخاً من الاضطراب بسبب عوامل مماثلة.
يعرض تميز طبيعة التنوع الديني والإثني واللغوي البحريني، نموذجا مغايرا لبلدان الجوار الخليجية (عدا العراق وإيران)، ولهذين البلدين تأثير واضح على خريطة التنوع البحرينية، كما على السياسات الإثنية المتبعة فيها. في هذا السياق يضم التنوع الديني الوجود اليهودي، الذي يعود تمظهره الحالي لمهاجرين يهود قدموا للبحرين خلال القرنين المنصرمين من مدينتي البصرة وبغداد في العراق ومدينة بوشهر في إيران، ومن أشهر العائلات عائلة خضوري العراقية الأصل، وهي أقدم العوائل اليهودية التي استوطنت البحرين، وتتمتع الأقلية اليهودية بمشاركة سياسية تفوق وزنها العددي، إذ أن حفيدة عائلة خضوري “نانسي دينا إيلي خضوري”، هي عضو في مجلس الشورى البحريني منذ عام 2010، وشغلت أبنة خالتها “هدى نونو” منصب سفيرة البحرين في واشنطن فترة من الزمن. ومن قبلها كان رجل الاعمال اليهودي، إبراهيم داود نونو، يشغل منصب عضو في مجلس الشيوخ المعيّن من البرلمان (مجلس الشورى) 2008.
أما المسيحيون البحارنة فيصلون الى نحو الف شخص حسب بعض التقديرات، ومعظهم ينحدرون من أصول ايرانية أو عراقية وفلسطينية وجنسيات أخرى، ويرجع وجود الكنيسة التي شيّدها المرسلون الإنجيليون الأميركيون، والمعروفة اليوم بالكنيسة الإنجيلية الوطنية (البروتستانتية) لتاريخ 1906، وعلى غرار التمثيل السياسي للأقلية اليهودية، فإن مجلس الشورى البحريني يضم مسيحيين هما السيدتان أليس سمعان (من أصل عراقي)، وشغلت أيضا منصب سفيرة البحرين في المملكة المتحدة، وهالة رمزي فايز (من أصل مصري) ووالدها من مؤسسي وزارة الصحة في البحرين. ويصل عدد طائفة البهرة الإسماعيلية الى 750 شخصا حسب سجلات الطائفة البهرية، والبهرة يشكلون حضورا اقتصاديا بارزا في البحرين. ويرأس الطائفة الشيخ “مقداد أصغر زين الدين”.
وتصل احصائيات البهائيين الى 200 عائلة، و يرى البعض أن البهائيين هم أكثر الاقليات الدينية وزناً من الناحية العددية، إذا أضفنا الأعداد الأخرى من البهائيين الذين يفدون إلى مملكة البحرين للعمل والعيش فيها، بالمقارنة مع عدد اليهود والمسيحيين. لكن كما هو واضح، فإن من الصعوبة الحصول على أرقام دقيقة لعدد البهائيين في البحرين كما هو حال معظم بلدان الشرق الأوسط، وليس هناك تمثيل سياسي للبهائيين الذين تحضهم معتقداتهم على عدم الانغماس في الشؤون السياسية.
تذكر بعض الاحصائيات، إن المسلمين يشكلون ٧٠ % من إجمالي عدد السكان، بينما يمثل معتنقو الديانات الأخرى من المسيحيين واليهود والبهائيين والسيخ والهندوس وغيرهم النسبة الباقية، فبسبب تدفق المهاجرين والعمال الضيوف من البلدان غير المسلمة، مثل الهند والفلبين وسريلانكا، فإن الطقوس الهندوسية والسيخية والبوذية تمارس في البلاد أيضا. لكن إحصاء عام ٢٠٠١ يشير الى نسبة توزيع للسكان أكثر دقة وفق الديانة : ٨١ في المئة مسلمون و٨ في المئة مسيحيون و٩ في المئة ديانات أخرى.
تنص المادة ٢ من الدستور على أن “دين الدولة الإسلام، والـشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع”. كما تنص المادة ٢٢ من الدستور على أن “حرية الضمير مطلقة، وتكفل الدولة حرمة دور العبادة، وحريـة القيـام بـشعائر الأديـان والمواكـب والاجتماعات الدينية طبقاً للعادات المرعية في البلد”. واذا كان الدستور وفقاً لذلك، يضمن حرية المعتقد، فإنه وسط هوية الأغلبية الإسلامية المتشظية الى هويتين سنّية وشيعية، تقف الأقليات الدينية وسط هذا الاستقطاب دون ضمانات فعلية، فحتى لو كان ابتعاد البهائيين عن السياسة يحميهم على سبيل المثال، فإنه لم يضمن لهم الاعتراف الرسمي.
يُعد البهائيون في البحرين “أقلية منتشرة” وليست “أقلية متمركزة جغرافيا”، وهو ما يتفق مع العقيدة الدينية التي يحملونها، والتي تدفعهم للانفتاح على المحيط الاجتماعي الأوسع، وحتى في المناطق التي تمركزوا فيها جغرافيا في بلدان الشرق الأوسط، لأسباب شتى، مثل العدسية في غور الاردن، وبعض قرى الصعيد في مصر، و محافظتي ديالى وكربلاء في العراق والكاظمية في بغداد، الا انهم سرعان ما كانوا ينتشرون في مناطق البلاد الأخرى.
ويبدو أن جذور الوجود البهائي مرتبط بشخصية محورية من المربين التربوين، هو “الاستاذ أبو القاسم فیضي” الذي أطلق عليه “شوقي أفندي” لقب “فاتح الجزيرة العربية الروحي”، وهو من البهائيين الإيرانيين الذين قدموا للبحرين منتدباً للتدريس في مدارسها من قبل وزارة المعارف. ويبدو “فيضي” مثل الجيل الاول من البهائيين الذي نقل الدعوة للدين الجديد من الشرق الأوسط الى شمال افريقيا، مربيا ترك أثراً لا يُمحى في وسطه الاجتماعي. بالتالي يمكن أن نسجل تاريخ وجود البهائيين في البحرين إلى بداية الأربعينيات من القرن الماضي، وتحديداً الى عام 1942م، مع حضور الجيل الأول من البهائيين، وفي مقدمتهم أبو القاسم فيضي.
يحضر”فيضي” في الذاكرة البحرينية بوصفه شخصية فريدة قدمت خدمات جليلة لسكان البحرين، وكان قد أرتحل الى العدید من الدول والاقطار في مختلف أركان العالم وعاش لفترات متفاوتة في بلدان عدة، إلا أنه أختار الاستقرار أخيرا في البحرين، وكان قد تخرج من إحدى أرقي الجامعات في بيروت، وعمل في مدرسة المنامة الثانوية للبنين التي كانت أول مدرسة من نوعها في منطقة الخليج.
ويذكر سكان البحرين أنه “كان معلما مخلصا متفانيا في عمله ولم ينظر إلى التعليم كمهنة، بل كرسالة”. عرف “فيضي” بنشاطاته التطوعية (مثل نهج البهائيين المعروف) فإنضم إلى مؤسسي أحد أول الأندية الرياضية للشباب بالبحرين في الاربعينيات، إذ كان يدرب الشباب على الأنشطة الرياضية بالإضافة إلى إعطاء دروس اللغة الإنكليزية لرواد النادي، وكان له ولزوجته مساهمات في مجال محو الأمية. وقد كتب أحد المواطنين الذين تتلمذوا على يده عندما علم بوفاته، “لم یعلمني الأستاذ فیضي اللغة الإنكلیزیة فحسب وإنما علمني كیف أكون إنسانا”؟ ومثل بقية بلدان الشرق الأوسط، عدا (العراق وايران)، فإن الجيل الأول من البهائيين كان من المقبلين من خارج الحدود، ثم نشروا الدين الجديد بين السكان المحليين، الذين سيتكون منهم الجيل الثاني. ويبدو إن اوائل من استجابوا للدين البهائي في البحرين كانوا من أصول فارسية، فمعظم البهائيين في البحرين ينحدرون من أصول فارسية، عدا بعض الاستثناءات المعروفة. وبعد دعوة “شوقي أفندي” للهجرة بغية نشر الدين البهائي تغذى الوجود البهائي في البحرين بهجرة من البهائيين المقبلين من أيران ليستوطنوا في البحرين.
وأسوة بالبهائيين في الشرق الأوسط يساهم البهائيون البحرينيون في العديد من المبادرات المجتمعية، منخرطين في جمعيات خيرية، و قاموا بأنشاء جمعيات أخرى. وأحد الأمثلة التي يهدف البهائيون من خلالها الى المساهمة في بناء المجتمع، يتمثل بمبادرة (مجموعة العالم الجديد). تأسست المجموعة في نهاية تسعينيات القرن الماضي بمبادرة الشباب البهائيين، و تنطلق المبادرة لعموم الشباب البحريني لتوظيف طاقاتهم وابتكاراتهم من خلال العمل المشترك لتطوير المجتمع والمحافظة على البيئة ونشر فكرة السلام. انبثقت فكرة تأسيس المجموعة من مفهوم “حب الوطن من حب العالم” والذي يتطلب أن يترجم حب الوطن إلى عمل ومشاركة حقيقية وتنمية الإحساس بالمسئولية الانسانية والوطنية.
أسس البهائيون “الجمعية البهائية الاجتماعية” وهي جمعية بحرينية اجتماعية مسجلة في وزارة التنمية الاجتماعية تخدم جميع مكونات وشرائح المجتمع البحريني، وهذه سابقة في بلدان المنطقة، إذ تعد اول جمعية اجتماعية بهائية مسجلة رسميا، فحتى في البلد الذي أنطلقت منه ثورات الربيع العربي” تونس” لم يتم الحصول على موافقة على انشاء جمعية بهائية تونسية تخدم الأغراض ذاتها. تهدف “الجمعية البهائية الأجتماعية” في البحرين إلى المساهمة في بناء وتطور ورخاء المجتمع من أجل الصالح العام وخير المجتمع، منطلقة من القيم والمبادئ البهائية والقيم الإنسانية المشتركة الداعية إلى التعايش والاتحاد والعمل المشترك، لغرض تعزيز دور المرأة في تقدم وتنمية المجتمع، وترسيخ مبدأ التعايش والتسامح، وتحقيق السلام، وأهمية التعليم، ونشر ثقافة الخدمات الإنسانية والاجتماعية وتنمية قدرات ومهارات القائمين عليها، وغيرها.
وعلى الرغم من عدم الاعتراف الرسمي بالبهائية على نحو رسمي، فإن البهائيين في البحرين يشيدون بعلامات الاعتراف الرمزية التي حصلوا عليها، ففي ما يخص الزواج وفقا للشريعة البهائية، فإن عقد الزواج البهائي يتم وفقاً للأصول البهائية، لكن عقد زواج مدني يسجل في مكتب التوثيق التابع لوزارة العدل والشؤون الاسلامية والأوقاف، وإذا حصلت ولادات عن الزواج، فإن أصدار شهادة الميلاد للاطفال البهائيين يسجل هويتهم الدينية البهائية، وهذه خطوة متقدمة تضاف لمنح الزوجين في المملكة الأردنية “دفتر عائلة” لتسيير شؤونهم وتصديق عقد زواجهم، وهذا الاعتراف بحده الأدنى في المملكتين الأردنية والبحرينية يعد استثناءً ايجابيا بالنسبة للبهائيين في الشرق الأوسط.
وللبهائيين في البحرين، حق الموت كبهائيين، وهو الحق الوحيد الذي منحته الدول العربية لهم. دفن البهائيون في البحرين موتاهم في أول الأمر في أرض بمنطقة مدينة عيسى، وتم استبدالها لاحقا بأرض أخرى بسبب طبيعتها الصخرية. تقع المقبرة الجديدة في منطقة سلماباد، ومنحت أرضها للبهائيين في عهد الشيخ سلمان آل خليفة، عام 1955 م، ويحيطها كما هو واضح في الصور المنشورة في موقع (الجامعة البهائية في البحرين) سور يبلغ ارتفاعه المترين أو أكثر وتتوسطها نافورة ماء، وتحيطها الأشجار من نواحيها، و في جوارها مقبرة للمسيحيين.
لكن هامش الحرية النسبي المتاح لهم في البحرين يخرجهم من وضع “الأقلية في الظل”، إذ يتم دعوتهم للتحدث عن تعزيز قيم التسامح والتعايش من المنظور البهائي في عدة ندوات ثقافية في المجالس، ويقوم البهائيون بزيارة المجالس الثقافية والاجتماعية طوال العام وفي مختلف مناطق مملكة البحرين كما هي عادة العديد من العائلات البحرينية في تنظيم مجالس دورية يرتادها مختلف أبناء المجتمع البحريني، أنسياقا مع التقاليد الاجتماعية البحرينية التقليدية. وهناك تجارب مماثلة لدعوة البهائيين في برامج الجمعيات الاجتماعية والمراكز الثقافية للتحدث عن الدين البهائي وتعاليمه، لا سيما ما يتعلق بتأسيس السلام ووحدة الجنس البشري. ويشارك البهائيون في برامج الدعاء لأجل السلام التي نظمها أتباع الأديان المختلفة مثل الصلوات المشتركة في الكنائس، ويتم فيها تقديم الادعية من الاديان المختلفة، ومن ضمنها يتم تلاوة الادعية البهائية في مثل هذه البرامج.
ويمكن للمرء أن يشهد تعبيرا عن مبدأ (الوحدة في التنوع) الذي يمثل حجر الزاوية في الدين البهائي من خلال جلسة الدعاء الشهرية التي يعقدها البهائيون البحرينيون، ويشاركهم فيها أفراد من جميع أطياف المجتمع البحريني، ويتم خلالها تلاوة الكلمات الإلهية من الآثار الكتابية البهائية والكتب المقدسة الاخرى. وخلال حوار خضته مع بهائيين في البحرين، فإنهم يبدون أرتياحا من علامات هذا الإنفتاح على البهائيين، مثل “جلال خليل” وهو من العاملين في مجال التأمين في البحرين، أشاد خليل بالبرامج الحوارية التي تم استضافته فيها، ويمكن بسهولة العثور في “يوتيوب” على استضافات البهائيين في مقابلات تلفزيونية، للتحدث عن حضورهم في البلاد ومفاهيم الدين البهائي، كما تم استضافتهم بجانب ممثلين من الاديان الاخرى في برامج التعايش الديني.
يمكن القول كختام لتقييم وضع البهائيين في البحرين، بإنه متقدم على سائر دول الشرق الأوسط، لكنه يظل محددا بدائرة الاعتراف الرسمي، من قبل الدولة في مستوى أول، ومن قبل المؤسسة الدينية الاسلامية بشقيها السني والشيعي في مستوى ثانٍ، وأخيرا بمستوى قبولهم الاجتماعي الذي يتأثر بالمستويين الأوليين، وهو ما يرسم محنة قبول الآخر في الشرق الأوسط في دائرة حصرية.

ABN Bahá’í News

For more details, followed ABN Bahá’í News Facebook Page

https://www.facebook.com/ABN.BahaiWorldNews/

Share This:

You may also like...