البهائيون المغاربة في سنوات الرصاص

البهائيون في المغرب
البهائيون في المغرب

ABN Bahá’í News  محنة البهائيين في الشرق الأوسط (8)

سعد سلوم

سعد سلوم

بقلم الكاتب / سعد سلوم
بعد تأجيل محاكمة البهائي اليمني “حامد كمال بن حيدرة” أكثر من مرة في اليمن عامي 2016-2017، وجّه البهائي المغربي “محمد كبداني” رسالة الى القضاء اليمني، يدعوه فيها الى إعادة السجين البريء إلى أسرته وأهله، كما فعل القضاء المغربي في قضية “الكبداني” بعد تبرأته من التهم نفسها، في ستينيات القرن الماضي.
وما بين الحكم بالإعدام على البهائي المغربي “محمد كبداني” في عام 1962، ومحاكمة البهائي اليمني “بن حيدرة” 2017، فاصل زمني بين قضيتين لإضطهاد البهائيين يزيد على نصف قرن، وقائع القضية الاولى شهدتها دولة شمال أفريقيا ، في حين تحتل مشاهد الثانية مسرح دولة أخرى شرق أوسطية. وكلتا القضيتين تعبران عن محنة البهائيين في الشرق الأوسط وشمال افريقيا بعد قرنين من ولادة “بهاء الله” مؤسس الديانة البهائية.
وبعبارة أخرى إستعادت رسالة البهائي المغربي “الكبداني” الى القضاء اليمني، طبيعة التعامل مع هذه الأقلية الدينية في دولة تحررت للتو من الكولنيالية في شمال افريقيا، في حين روت قصة “بن حيدرة” طبيعة التعامل مع الأقلية البهائية في دولة أجتازت أختبار الربيع العربي في الشرق الأوسط.
تستعيد الرؤية القاتمة عن التعامل مع الأقلية البهائية في “ارض الله الضيقة” في كل من يمن ما بعد الربيع العربي ومغرب ما بعد الأستقلال، دورات إضطهاد البهائيين في دول شرق أوسطية أخرى مثل محاكمات البهائيين العراقيين 1974، ومن قبلهم دورات الاعتقالات ومحاكمة البهائيين المصريين لست مرات منذ ستينيات القرن الماضي، وعلى نحو يحفزنا على فتح ملف العلاقة بين الدين والدولة في فترة بناء الدولة الوطنية ما بعد الاستقلال عن الاستعمار في الشرق الأوسط وشمال افريقيا. ويلقي ضوءاً كاشفاً عن طبيعة تعامل الدولة القومية الناشئة في المنطقة مع أقلية دينية واكبت تأسيس هذه الدول وعاشت تحولاتها السياسية منذ نهاية القرن التاسع عشر، مرورا بحقبة التحرر من الإستعمار، وصولا الى إنطلاق الربيع العربي في شمال افريقيا والشرق الأوسط، كتعبير عن حالة الأنسداد الشامل بسبب فشل نموذج دولة ما بعد الاستقلال.
وعلى الرغم من أن مياهاً كثيرة جرت تحت جسور الدولة الوطنية خلال عقود من تسلط الدولة على المجتمع في هذه البلدان، الإ إن فشل إدارة التنوع يبقى علامة أزمة لنموذج هذه الدولة، ومؤشراً على أهمية البحث عن نموذج بديل.
في هذا السياق تستعيد ملامح هذه الأزمة الدائمة قصة الحكم على “الكبداني” وزملائه بالإعدام في مدينة الناضور 1962، قبل تبرأته من المجلس الأعلى للقضاء في المغرب، بسبب تهم بالردة والعمالة للدول الأجنبية. يقول “كبداني” في رسالته “رغم ما قاسيته آنذاك، فإنه يحز في نفسي أن تتكرر نفس المأساة، بعد ما يزيد عن نصف قرن، مع بهائي مثلي في اليمن، وتعاني زوجته وصغاره نفس المعاناة النفسية والمادية. وأنا متأكد من براءته من التهم المنسوبة إليه، وهي نفس التهم تقريبا، التي نقضها المجلس الأعلى للقضاء المغربي، وأكد براءة المتهمين البهائيين منها”.
تزامن صدور الحكم بقضية الكبداني، التي عرفت في تاريخ المغرب المعاصر بـ”قضية البهائيين” أو “قضية الناضور” مع صدور الدستور الأول في المغرب، وأثارت مسألة ضمان الحريات الدينية في دولة وليدة تحررت للتو من النفوذ الأستعماري وتود الأنضمام للمجتمع الدولي. بعد أن اضطرت الحكومتين الفرنسية والأسبانية الى إلغاء معاهدة حماية دامت أربعة وأربعين عاما (1912-1956)، قبل أن يعلن عن زوالها الملك محمد الخامس بعد عودته من المنفى الاجباري عام 1956. وستظل القضية المثال الأبرز على الاضطهاد الذي واجهه البهائيون في رحلة الدين الجديد من الشرق الأوسط الى شمال أفريقيا.
ففي عام 1962، خرجت محكمة ابتدائية الناضور بحكم مثير للجدل أهم ما فيه: إعدام ثلاثة شبان، المؤبد لخمسة، و15 سنة سجناً نافذاً لستة مواطنين بتهمة اعتناق “الديانة” البهائية في دولة دينها الرسمي “الإسلام”. وصلت القضية إلى المجلس الأعلى للقضاء الذي برّأ البهائيين ممّا قيل إنها محاولة للعبث بأمن الدولة، خاصة بعد تأكيد الملك الراحل الحسن الثاني أنه قد يتدخل للعفو عنهم إذا ما تمت إدانتهم من جديد.
وثق “كبداني” هذه القصة متضمنة تجربته الأيمانية (التحول من الإسلام الى البهائية) في كتاب حمل عنوان “الإبحار: مذكرات بهائي حُكم عليه بالإعدام”، (طُبع الكتاب في “تونس” ولم يطبع في المغرب، وهي أشارة الى ان القضية ما تزال تثير جدلا وحساسية في المغرب). قراءة مذكراته تكشف فرادة “قضية الناضور” بالمقارنة مع قضايا اضطهاد البهائيين الأخرى في المنطقة، فقد كانت محط أهتمام وجدل بين النخب الثقافية العلمانية والدينية التقليدية في المغرب، وعلى نحو لم تثره قضية اضطهاد البهائيين في أية دولة شرق أوسطية، إذ لم توضع هذه القضية كفيصل في ضمان حرية المعتقد، لا في مصر ولا في العراق على سبيل المثال، و لم تثر نقاشا نخبويا حول شكل الدولة وهويتها الدينية وضمانها لحرية المعتقد.
من جهة ثانية، مثلت القضية حالة أختبارية لقدرة دولة وليدة خاضعة لحماية فرنسية في الجنوب وحماية اسبانية في الشمال 1912-1956، قبل أن تستعيد أستقلالها في عهد الملك محمد الخامس 1956. وفي مقياس المجتمع الدولي للحكم الرشيد كانت مؤشرا مهما عن بلوغ الدولة المستقلة سن الرشد السياسي والأخلاقي اللازم لإدارة شؤون مواطنيها الدينية، إذ أثارت قضية البهائيين في المغرب أهتماما دوليا عدها مثل حالة أختبار لقدرة الدولة على إدارة التنوع الديني وضمان الحريات الدينية، ولضمان أن لا يحدث ما أطلقت عليها صحيفة اللوموند في وقتها “محاكم التفتيش في المغرب”، على نحو مماثل للاختبار الذي خاضه عراق ملكي خاضع للانتداب البريطاني، ساع للاستقلال الناجز عبر انتمائه لعصبة الأمم.
وفي مقابل “قضية الناضور” في المملكة المغربية في بداية ستينيات القرن الماضي كانت قضية “الاستيلاء على بيت بهاء الله” مؤسس الدين البهائي في بغداد قبلها بثلاثة عقود في العراق، تثير الشكوك حول ضمان حقوق الاقليات الدينية في دولة عراقية فتية تود الانضمام رسميا الى عصبة الامم، وتصبح عضوا فاعلا في المجتمع الدولي في ثلاثينيات القرن الماضي.
ترجع جذور البهائية في المغرب الى بداية الخمسينيات من القرن الماضي، إذ بدأ البهائيون ينتشرون في شمال افريقيا مع التوجيه الذي اطلقه “شوقي أفندي” عام 1953 لنشر الدين البهائي في ارجاء العالم، واستقر بعض البهائيين في المغرب ليكونوا الجيل الأول من المهاجرين البهائيين الذين ستتكون منهم نواة البهائيين، وبعدها يبدأ نمو الجيل الأول من البهائيين المغاربة.
لم يكن استقرار الجيل الأول أو دخولهم المغرب بالأمر اليسير، إذ كان لا بد في البداية من تجاوز عقبة الحصول على تأشيرة، وغالبا ما كانت تحفُّ ذلك تعقيدات تضعها سلطات الأحتلال اذا كان المتقدم من اصول عربية او يسكن في دولة جارة، خوفا من تعاونهم مع المقاومين الوطنيين، لا سيما بعد نفي الملك وانتشار الاعمال الثورية ضد المستعمرين.
وفي هذا السياق التأسيسي للبهائية في المغرب كانت “قضية الناضور” ضربة موجهة من قبل السلطة لنواة البهائيين المغاربة، فكان الحكم بالسجن عليهم بأحكام مختلفة منها السجن المؤبد، والاعدام، لذا، فاقت المحنة في الحالة المغربية، محنة البهائيين في مصر أو في العراق. مع إن موجة الاعتقالات والأحكام القضائية التي تبعتها في المغرب، لم تشمل الجيل الاول من البهائيين المهاجرين (من غير المغاربة)، عدا “فؤاد الطحان” سوري الجنسية، وهو سلسل عائلة بهائية عريقة تنحدر من الخطاط الشهير “مشكين قلم” المعاصر لمؤسس الدين البهائي “بهاء الله”.
رسمت “قضية الناضور” مسارا ثابتا للحضور البهائي في المغرب، أسس لوضع “الأقلية في الظل”، وهو الوضع التقليدي لتاريخ الوجود البهائي في بلدان الشرق الأوسط خلال العقود الماضية، فهم موجودون، ولكن من الأفضل نسيانهم، وأن لا تثار قضيتهم مجددا، على نحو علني، وهو ما يتضح في “قضية الناضور” التي اصبحت قطعة خزف محفوظة في متحف النسيان.
وكان من نتائج “وضع الأقلية في الظل” بقاء البهائية خارج نطاق الأعتراف الرسمي بالأديان في المغرب. وعلى الرغم من السجل إلإيجابي للمغرب في التعامل مع أطياف التعددية الدينية المغربية، إلا أن حدود التعددية الدينية كانت في حدها الأقصى ثنائية (إسلامية/يهودية).
كانت سياسات المغرب تجاه المواطنين اليهود مختلفة عن السياسات الرسمية للعديد من الحكومات العربية التي شجعت ودفعت أقليتها اليهودية للهجرة الى اسرائيل. وأكد الملك محمد الخامس مواقفه الأيجابية من اليهود المغاربة، مانحا حقوقا سياسية لهم، و صرح في أول خطاب بأن “اليهود المغاربة مواطنون كاملو المواطنة”، متوجا ذلك بتعيينه لليهودي “بنزاكين” في حكومة “امبارك البكاي”، وأصدر أوامره بوقف هجرة اليهود خارج المملكة، إذ توقفت عملية تسهيل إعطاء الجوازات لليهود المغاربة، ولكنها لم تمنعها كليا، وستظل الهجرة تتواصل بشكل سري على نحو أستنزف الوجود اليهودي في المغرب.
وخارج دائرة ثنائية الإعتراف الاسلامي/اليهودي، ظل المسيحيون والبهائيون والشيعة خارج دائرة القبول الرسمي. وفي ما يتعلق بالمسيحيين، لا يمكن معرفة عددهم في المغرب على وجه الدقة، ويذكر تقرير الحريات الدينية الصادر عن وزارة الخارجية الأميركية تقديرا يتراوح بين 2000-6000 مغربي، ينحدرون من مسيحيين مغاربة اعتنقوا المسيحية أو تحولوا اليها من الإسلام ويتوزعون في مختلف المدن المغربية، يؤدون طقوسهم في بيوتهم بشكل سري، ومنهم من يمارس ذلك في العلن. كما أن الأقلية الشيعية في المغرب تنضم الى الطوائف المغربية الأخرى التي تعيش في الظل، أما عن عدد البهائين في المغرب، فهو بعيد عن الدقة ايضا، لكنه لا يتجاوز المئات.
واذا كان البهائيون والمسيحيون والشيعة لا يحظون بالإعتراف الرسمي، باستثناء اليهود المغاربة بوضعهم الخاص من الناحية التاريخية والدستورية والمعترف بوجودهم رسميا، فقد أصبح من الواضح منذ “قضية الناضور” إن التعامل الرسمي مع الاقليات الدينية كاليهود والمسيحيين لم يصل الى المستوى المتشدد الذي وصلت اليه قضية البهائيين الاوائل في ستينيات القرن الماضي.
لا يحتوي موقع الجامعة البهائية في المغرب، أية معلومات تفصيلية عن جذور البهائية في المغرب عدا إشارات عامة، من إنه “ابتداءً من سنة 1953، أخذت بعض العائلات البهائيـة المهاجرة من أصول مختلفـة تستقر تدريجيـا بأرض الوطن، وإن اندماجهم في المجتمع المغربي كان سريعا وسلسا لمـا وجدوه في المغاربـة من ترحاب وانفتـاح على الآخر. هكذا، لم يتوانَ هؤلاء المهاجرون عن تبليغ رسالة حضرة بهاء الله لمن عايشوهم وعاشروهم من المغاربة”. وكذلك الإشارة التقليدية من إن البهائيين في المغرب ينحدرون من مختلف الأصول المغربية وينتمون لمختلف الطبقات والمستويات الاجتماعية ويتشكَّلون كذلك من مختلف الفئات العمرية. ويتوزَّعون على عدد من المدن من شمال المغرب إلى جنوبه، ويتواجدون كذلك بالقرى والأرياف.
لكن مدينة تطوان التي نزح المسلمون الأندلسيون اليها، بعد أن أرغمهم الملوك الكاثوليك لإسبانيا على أن يختاروا بين الموت أو الكثلكة أو مغادرة البلاد، برزت كمسرح أول حضور بهائي في المغرب، لا سيما بعد أن أتخذها الاسبان عاصمة للاحتلال ومركزا إداريا، ومقرا لخليفة السلطان في شمال المغرب. وما بين نفوذ المندوب السامي لحكومة اسبانيا التي تمثل الحداثة الوافدة في ثياب الاستعمار، وخليفة سلطان المغرب في المدينة الذي اتسم بسلطة صورية، وفدت أول عائلة بهائية مصرية، هي عائلة “فوزي زين العابدين”، وزوجته “بهية هانم” وبدأت تبشر بالدين الجديد في المدينة. وفقا لما يؤرخه “كبداني” لجذور البهائية في المغرب مع قدوم أول عائلة بهائية مصرية في السنوات الأخيرة للحكم الاسباني.
ويبدو إن رحلة الدين البهائي في شمال افريقيا بدأت أنطلاقا من مصر التي كنت تعد مركزا نشريا مهما، وعمل البهائيون الاوائل في سلك التعليم، ونالوا حظوة واحتراما من المغاربة، كما حدث في تونس التي انتقل اليها الدين من مصر أيضا. وكان هناك بهائيون قد انتقلوا من عدد من الدول الأوربية والولايات المتحدة. لكن عدد البهائيين الاوائل لم يتجاوز تسعة عائلات حسب تقديرات البهائيين أنفسهم هناك. واستقروا في مدن مختلفة مثل الرباط، الدار البيضاء، فاس، طنجة، مكناس، تطوان. وعملوا في وظائف مختلفة منها الأعمال الحرة، فضلاً عن اختيار بعضهم للعمل الحكومي.
ورغم التحولات السياسية والاجتماعية التي مرت بها المملكة المغربية، بقي الوجود البهائي في وضع “الأقلية في الظل”، ولم تسهم الأصلاحات التي انطلقت بعد نهاية سنوات الرصاص في تحسين أوضاعهم، ففي التاريخ الفاصل بين أطلاق سراحهم عام 1962 وحتى عام 1992، قضوا فترة صمت وغياب عن الشأن العام، وكأنهم ذكرى شبحية على جدار الذاكرة الجمعية وهامشاً خفياً للتاريخ الرسمي للمغرب المعاصر.

For more details, followed ABN Bahá’í News Facebook Page

https://www.facebook.com/ABN.BahaiWorldNews/

Share This:

You may also like...