البهائيون المغاربة بعد الربيع العربي

البهــــائيـون في المغرب
البهــــائيـون في المغرب

.ABN Bahá’í News       محنة البهائيين فـي الشرق الأوسط (9)
بقلم الكاتب / سعـد سلوم

سعد سلوم

سعد سلوم


بعد التحولات السياسية والاجتماعية التي مرّت بها المملكة المغربية، بقي الوجود البهائي في وضع “الأقلية في الظل”، ولم تسهم الإصلاحات التي انطلقت بعد نهاية ما عرف بـ”سنوات الرصاص” في تحسين أوضاعهم، ففي التاريخ الفاصل بين إطلاق سراحهم عام 1962 وحتى عام 1992، قضوا فترة صمت وغياب عن الشأن العام، وكأنهم ذكرى شبحية على جدار الذاكرة الجمعية.
تخلل الفترة العصيبة لـسنوات الرصاص عدم استقرار سياسي وأعمال فوضى واغتيالات في منطقة الريف 1956-1958، وتصاعد موجاب العنف في ستينات وسبعينات القرن الماضي على أثر قمع الحكومة لأعمال الشغب الشعبية وعمليات الانقلاب، وتعرّض الناشطين السياسيين لاعتقالات تعسفية واختطاف، واستخدام القوة المفرطة لتفريق الاحتجاجات خلال السنوات 1981، 1984، 1990.
أمتدت سنوات الرصاص بين تاريخ انتهاء محاكمة البهائيين وصدور أوّل إصلاحات ملموسة من قبل الدولة، وحتى في الفترة من عام 1992 إلى عام 1996، والتي شهد فيها المغرب انفتاحاً للنظام ومساراً تحررياً من شأنه انهاء فترة التسلّط، وسعي البلاد لإضفاء الديمقراطية على مؤسسات الدولة، لكن ذلك لم يحسّن من وضع البهائيين كثيراً.
ومع انطلاق رياح التغيير التي رافقت الربيع العربي عام 2011 أدى الحراك في دولة تونس المجاورة وفي مصر من بعدها، الى تسريع خطوات الاصلاح في المغرب، لذا أقدم الملك محمد السادس في خطاب 9 آذار 2011 على خطوة استباقية عبر الدعوة لتعديل الوثيقة الدستورية. والأخيرة بوصفها الوثيقة الأساسية المنظمة لهوية الدولة، مرجعية أساسية لضمان عدم التمييز والمساواة بين جميع الأفراد مهما أختلفت خلفياتهم الدينية، ومن ضمنهم البهائيون.
يأمل البهائيون في المغرب أن يشَكل دستور عام 2011 فاتحة مرحلة جديدة من البناء الديمقراطي وتكريس المساواة وحظر جميع أشكال التمييز. ولكن كما تعلمنا دراسة الواقع الانتقالي في العراق ومصر وتونس وبلدان أخرى، فإن العبرة ليست بكتابة دستور أو اجراء انتخابات، فقد تنحرف قاطرة الديمقراطية دون ترسيخ قيم قبول الآخر وتحقيق المساواة وحظر التمييز. ويظل الفيصل في ضمان حيادية الدولة في تطبيق القيم والحقوق التي ينطوي عليها الدستور دون تمييز ديني أو إثني أو طائفي.
في سياق هذه الإصلاحات يبقى سؤال عن سقف ما تحقق للبهائيين بفعل التحول؟ وما حدود حرية المعتقد في ظل الدستور وطبيعة العلاقة بين الدين والدولة، وتأثيرها على ضمان حقوق البهائيين وغيرهم من الأقليات الدينية وكفالة الإدارة الرشيدة للتنوع من قبل الدولة.؟
نص الدستور المغربي في فصله الثالث على أن “الإسلام دين الدولة، والدولة تضمن حرية الفرد في ممارسة شؤونه الدينية”. لكن من الناحية العملية، لا تتوفر ضمانات سوى لليهود المغاربة في الاعتراف الرسمي وحرية المعتقد، فاليهود أحرار في ممارسة شعائرهم الدينية، ولديهم مدارسهم الخاصة ومحاكمهم ومعابدهم. وما دام الدستور المغربي يشير إلى حرية الفكر ولا يشير بوضوح إلى حرية المعتقد، فقد يثير هذا المنحى شك البهائيين المغاربة وبقية الأقليات الدينية في ضمان حقوقهم دستورياً، بغض النظر عن مصادقة المملكة على مثل هذه الاتفاقيات الدولية ونص الدستور المغربي بجعلها تسمو على التشريعات الوطنية.
من جانب آخر، فإن البهائيين المغاربة يؤشرون مجموعة من العلامات الإيجابية في المسار العام للأحداث بعد الربيع العربي، إذ يقول “جواد مبروكي” وهو محلل نفسي بهائي من المغرب “خلال السنوات الأخيرة، تتطرق وسائل الإعلام بشكل كبير إلى التنوع الديني في المغرب، كما تتحدث حركات الدفاع عن حقوق المغاربة بشكل متزايد عن حرية المعتقد وعن ضرورة تغيير القوانين حول هذا الموضوع” ثم يضيف في تفاؤل “بعض المنابر الصحفية، أخذت تنشر مقالات كتبت من قبل أشخاص من غير المسلمين دون الخضوع لرقابة أو قيود من طرف السلطات، ولبعض البهائيين علاقات ودية مع كتاب معاصرين يكنّون كل الاحترام للدين البهائي”.
العلامات الأيجابية مشجّعة حقاً، شرط أن يرافقها اعتراف على مستوى رسمي، يسنده انفتاح على مستوى المؤسسة الدينية الرسمية، ويؤشر البهائيون الموقف الإيجابي للمؤسسة الدينية في حدود عدم إصدار فتاوى ضد البهائيين، كما حصل في مصر والسعودية ودول أسلامية أخرى، وبصفة عامة وحسب شهادة البهائيين المغاربة، تحاول المؤسسة الدينية التشجيع على التسامح والتعايش، والجهة الوحيدة التي لها حق الإفتاء هو المجلس العلمي، وهذا المجلس لم يسبق له أن تحدث عن البهائيين بالذات، مع إنه انخرط في بعض الفتاوى ذات الصلة بحرية المعتقد.
يرجع ضبط المؤسسة الدينية نتيجة أصلاحات الحقل الديني التي أطلقتها المملكة في أعقاب الأحداث الإرهابية التي شهدتها مدينة الدار البيضاء في آيار 2003، وفي مواجهة تصاعد التيار الديني الإسلامي بالمغرب عام 2004، تضمنت الإصلاحات إعادة هيكلة وزارة الشؤون الإسلامية وتعديل القوانين المتعلقة بأماكن العبادة وتحديث التعليم الديني، وإنشاء المجلس العلمي الأعلى لتوضيح المواقف الدينية الرسمية وضبط الفتاوى. فضلاً عن إطلاق برنامج واسع لتأهيل الآلاف من أئمة المساجد في المدن والأرياف، وتأهيل عدد من الداعيات الخ.
كان آخر تعبيرات اتجاه الإصلاح في الحقل الديني توقيع الملك مرسوماً ملكياً يمنع بموجبه الأئمة والخطباء وجميع المشتغلين في المهام الدينية من ممارسة أيّ نشاط سياسي ومنع “اتخاذ أيّ موقف سياسي أو نقابي”، والامتناع عن “القيام بكل ما يمكنه وقف أو عرقلة أداء الشعائر الدينية”. إلا أننا نلاحظ عدم خروج الاتجاه الإصلاحي الجديد عن حدود العقيدة الرسمية للمملكة، وعدم تضمنه دفعاً للمؤسسة الدينية في اتجاه تعزيز التنوع، فبموجب القانون التنظيمي الجديد للعاملين في الحقل الديني، يتوجب “الالتزام بأصول المذهب المالكي والعقيدة الأشعرية وثوابت الأمة” المغربية، مع “مراعاة حرمة الأماكن المخصصة لإقامة شعائر الدين الإسلامي”، وواجب “ارتداء اللباس المغربي”
كان آخر تعبيرات اتجاه الإصلاح في الحقل الديني توقيع الملك مرسوماً ملكياً يمنع بموجبه الأئمة والخطباء وجميع المشتغلين في المهام الدينية من ممارسة أيّ نشاط سياسي ومنع “اتخاذ أيّ موقف سياسي أو نقابي”، والامتناع عن “القيام بكل ما يمكنه وقف أو عرقلة أداء الشعائر الدينية”. إلا أننا نلاحظ عدم خروج الاتجاه الإصلاحي الجديد عن حدود العقيدة الرسمية للمملكة، وعدم تضمنه دفعاً للمؤسسة الدينية في اتجاه تعزيز التنوع، فبموجب القانون التنظيمي الجديد للعاملين في الحقل الديني، يتوجب “الالتزام بأصول المذهب المالكي والعقيدة الأشعرية وثوابت الأمة” المغربية، مع “مراعاة حرمة الأماكن المخصصة لإقامة شعائر الدين الإسلامي”، وواجب “ارتداء اللباس المغربي”. مع ذلك، وفي رأي العديد من المراقبين تعد هذه الخطوات الرسمية حاسمة لضبط الشأن الديني في سبيل تعزيز الاستقرار الذي تتسبب به فوضى الفتاوى الدينية، وجزء من سياسة الإصلاح التي ينبغي أن تكون وفقاً لمراحل متسلسلة، تصل في النهاية الى تعزيز حرية المعتقد.
لكن، تجدر الإشارة إلى الصعوبات التي تواجه هذه الخطوات الإصلاحية، والتي تحتاج الى ثورة فكرية لمراجعة التراث الديني، مثال ذلك الضجة التي أثيرت حول فتوى المجلس العلمي الأعلى في المغرب بخصوص (قتل المرتد)، وتراجع المجلس عنها في ما بعد. ملابسات القضية وما أثارته من جدل يعيد الى الأذهان الجدل المرافق لقضية البهائيين في “الناضور” قبل أكثر من نصف قرن. فقد أنقسمت النخب المغربية الدينية والمدنية بين مؤيد يرى في فتوى المجلس تطبيقاً للشريعة الإسلامية يهدف الى الحفاظ على الهوية الإسلامية للمملكة، وبين من يراها تهديداً لحرية المعتقد ومخالفة للمواثيق والعهود الدولية التي وقع عليها المغرب، وتعارضاً مع تطورات المنظومة الحقوقية المغربية.
يبيّن صدور هذه الفتوى ذات الصلة بالحريات الدينية وحق الفرد في اختيار الدين الذي يشاء، الحدود الحصرية لحرية المعتقد في المغرب ومحددات الدين الرسمي الذي تتبناه الدولة. لا سيما وإن (المجلس العلمي الأعلى في المغرب) يعد الهيئة الرسمية الوحيدة المخول بالإفتاء في المملكة المغربية. وسيرتب على تجاوز المحدد الديني الرسمي الحكم على المتجاوز بإقامة الحدّ عليه. وبالتالي، تضيق الفتوى من حرية الفرد في اعتناق ما يشاء من أفكار دينية، وتحكم على من يغير دينه في المغرب ويتحول من الإسلام إلى معتقد آخر بالموت، وهو الحكم ذاته الذي تعرض البهائيون في قضية الناضور قبلها بأكثر من نصف قرن.
لكن تراجع المجلس العلمي الأعلى في المغرب عن فتواه هذه، يعد عملاً ثورياً ينطوي على مراجعة فكرية مهمة للتراث الديني، ففي الوثيقة التي أصدرها المجلس تحت عنوان “سبيل العلماء” منح الردة مفهوماً سياسياً من خلال ربطها بـ”الخيانة العظمى”. واعتبرت الوثيقة الجديدة أن”ترك جماعة المسلمين لم يكن حينها إلا التحاقاً بجماعة المشركين، خصومهم وأعدائهم في سياق الحروب الدائرة بينهم. فالردّة هنا “سياسية”، وليست “فكرية”. وأوضحت الوثيقة ذاتها أن القرآن الكريم تحدث عن الردّة الفكرية في آيات عديدة، ولم يرتب عليها عقوبة دنيوية، وإنما جزاء أخروياً، كما في قوله تعالى: “ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولائك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون”.
التراجع عن الفتوى وعد المرتد هو الخارج عن الجماعة وليس الذي يغيّر دينه ترسل علامة أمل للبهائيين المغاربة وبقية الأقليات الدينية، عن أهمية الضبط الرسمي للمؤسسة الدينية، ومن ورائها ضبط المنابر الدينية، لكي لا تسعى إلى التحريض على الكراهية، بشكل عام، على نحو يثبت سلطة الدولة في التحكم بإيقاع المؤسسة الدينية، بما يضمن عدم تهديد السلم الاجتماعي أو التنوع الديني بفتاوى ترتب أثاراً سلبية إلغائية للآخر.
ومن وجهة نظرنا، فإنه سيترتب على جوانب الضبط والإصلاح التي تمارسها المملكة المغربية نتائج مهمة تنعكس على عموم بلدان شمال افريقيا والشرق الأوسط الاسلامية. فاعتماد المملكة سياسة حازمة ضد التطرف، والتشجيع على التعايش وقبول الاختلاف، وممارسة هذه السياسة على جميع المستويات بما في ذلك النظام التعليمي، خليق بتحقيق نتائج تتجاوز الداخل المغربي، مثال ذلك ما ورد في خطاب وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية خلال مؤتمر حقوق الأقليات الدينية في المجتمعات المسلمة “الذي صدر عنه إعلان مراكش 27 يناير /كانون الثاني 2016”
ويمكن مراقبة سياسة المملكة في خطواتها الأخرى التي تجاوت حدود المملكة، مثل خطة عمل الرباط بشأن (حظر الدعوة إلى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية التي تشكل تحريضاً على التمييز أو العداء أو العنف) والتي أعتمدتها الأمم المتحدة في اجتماع عقده مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في الرباط بالمغرب في أكتوبر/ تشرين الأول 2012. وتكمن أهمية الخطة في التوصيات التي تنص على اعتماد تشريعات وطنية شاملة لمكافحة التمييز مع إجراءات وقائية وعقابية من أجل المكافحة الفعالة للتحريض على الكراهية، وبتمكين الأقليات والفئات الضعيفة.
مثال آخر عابر لحدود المغرب يمثل نقطة أمل لعموم بلدان العالم الأسلامي يتمثل في “إعلان مراكش لحقوق الأقليات الدينية في العالم الإسلامي” لعام 2016. وقد رافقت الإعلان علامات أمل ووعد، كالحث على ضرورة التعاون بين جميع أهل الأديان واعتبار ذلك أمراً حتمياً تدفع إليه المخاطر والأزمات التي تتولد عن الصراعات الدينية والطائفية المهددة للحضارة الإنسانية. ودعوة علماء ومفكري المسلمين إلى العمل على التأصيل لمبدأ المواطنة الذي يستوعب مختلف الانتمـاءات. وحث المؤسسات العلمية والمرجعيات الدينية على القيام بمراجعات شجاعة ومسؤولة للمناهج الدراسية للتصدي للمضامين التي تولد التطرف والعدوانية. الإ إن الإعلان لم يتضمن خطوة توسيع المبادرة على نحو تشمل بنطاق تفسيرها سائر الديانات، فما الاقليات الدينية المقصودة في اعلان مراكش؟، وهل يشمل ذلك جماعات دينية خارج دائرة الاديان الابراهيمية، او يقتصر على مجرد ممثلي الاقليات الدينية التاريخية في المنطقة مثل المسيحية واليهودية؟.
في هذا السياق كيف يمكن التعامل مع أقليات دينية أخرى في المنطقة تعيش على نحو دائم أو مؤقت، مثل الأقلية الايزيدية والمندائية في العراق أو البهائية في المغرب نفسه، واقليات دينية أخرى في بلدان الخليج العربي مثل الهندوسية والسيخية والبوذية، فضلاً عن حقوق الاقليات الشيعية داخل دائرة الاسلام الرسمي والتي تواجه اضطهاداً منهجياً في دول عديدة في شمال افريقيا والشرق الأوسط.
لذا، يمكن القول ختاماً، أن سجل المغرب مثير للإعجاب على صعيد دولي والخطوات التي اتخذتها المملكة للإصلاحات في الحقل الديني وتبنّي ستراتيجيات لمواجهة خطابات الكراهية وحماية الأقليات الدينية في العالم الاسلامي، جدير بالدعم من قبل المجتمع الدولي والدراسة والتطوير من قبل النخب الدينية والمدنية. فالثورة الصامتة لا تستطيع تحدي الثوابت وكسر الحلقة الحصرية للأديان المعترف بها رسمياً في المنطقة، من دون مزيد من الجهد الفكري والمؤسسي الرسمي وغير الرسمي لطرح تفسير واسع لحرية الدين والمعتقد. لكن مع ذلك، يمكن عدّ الإصلاحات المغربية في الحقل الديني التي أطلق عليها في الإعلام تسمية “ثورة صامتة” نموذجاً للأصلاح في المنطقة.
في غضون ذلك يبقى وضع البهائيين في المغرب وبقية الأقليات الدينية رهناً بالاستقرار العام في المملكة، وطبيعة الاصلاحات الناجزة، وبما إنها لم تضمن حتى هذه اللحظة الاعتراف الرسمي أو تقبل المؤسسة الدينية للبهائيين، فإنهم سيظلّون خارج دائرة الاديان الحصرية المعترف بها الى أمد غير منظور.

For more details, followed ABN Bahá’í News Facebook Page

https://www.facebook.com/ABN.BahaiWorldNews/

Share This:

You may also like...