اعلان دعوة حضرة الباب

أهمية وعظمة هذا العيد عند البهائيين و ما علاقته بعودة المسيح وظهور صاحب الزمان

ABN Bahá'í News :

.ABN Bahá’í News  — يحتفل البهائيون في العالم بذكري ليلة 23 مايو لعام 1844 م . و هي ليلة اعلان دعوة حضرة الباب الي اول المؤمنين الملا حسين بشروقي

ففي النصف الأول من ذلك القرن استحوذ على العديد من الناس، شعورٌ عميق من التَّرقُّب والانتظار لعودة السيد المسيح. وبينما كان المسيحيون ينتظرون المجيء الثاني لعيسى ابن مريم، اجتاحت العالم الاسلامي موجة من التوقعات بظهور “صاحب الزمان.” واعتقد كلٌّ من المسيحيين والمسلمين بأَنَّ عصراً روحياً جديداً سيبدأ تحقيقاً للنبوءات التي جاءت في كتبهم المقدسة.

بلغت حميّة تلك التوقعات ذروتها في يوم 5 جمادى الاول 1260 هجرية الموافق الثالث والعشرين من شهر أيار (مايو) ١٨٤٤، عندما أعلن تاجر شاب – هو حضرة الباب – بأنه صاحب رسالة إلهيّة، طال الوعد بها، ومقدّر لها أنْ تُحوِّل الحياة الروحية للجنس البشري وتحييها من جديد. وكان نداؤه شاملاً إذ قال:

“يا أهل الأرض اسمعوا نداء الله … لقد جاءكم النور من الله بكتاب هذا على الحقّ بالحقّ مبيناً لتهتدوا إلى سبل السلام.”(٢)

كان المجتمع الفارسي آنذاك يرزح تحت وطأة انهيار خُلُقي واسع في مداه، فأَعلن حضرة الباب في هكذا جوّ أَنَّ أساس الإحْياءِ الروحي والتقدم الاجتماعي هو “الحبّ والرأفة” وليس “الشدة والسطوة،”(٣) فأثار ذلك الإعلان الأمل والانفعال لدى طبقات المجتمع كافة، وسرعان ما اجتذبت دعوة حضرة الباب تلك الآلاف من المؤيّدين والأتباع.

ورغم أنَّ اسم التاجر الشاب كان سيد علي محمد، إلاّ أنه اتخذ لنفسه لقب “الباب.” وبيّن حضرة الباب بأنَّ مجيئه لم يكن إلاّ مدخلاً تَعبُره الإِنسانيّة نحو ذلك الظهور الإلهيّ الذي ينتظره البشر في كلِّ مكان. أما الموضوع الرئيس الذي تناوله كتاب البيان – وهو أم الكتاب بالنسبة للظهور البابي – فكان الظهور الوشيك لرسول ثانٍ يبعثه الله، يكون أعظم شأناً من حضرة الباب نفسه، ويحمل رسالةً جديدة لبدء عهد من العدل والسلام، وهو ما وعد به كلٌّ من الدين الاسلامي واليهودي والمسيحي، بالإضافة إلى كلّ دين عالمي آخر اعتنقه البشر.

حين أشار حضرة الباب إلى ذلك الرسول القادم استخدم عبارة رمزيّة وَصَفَتْهُ بأنّه “مَنْ يُظْهِرُه الله”. وأَكّد استقلالية ذلك الرسول وسيادته الكاملة فصرّح “بأنّه لا يستشار بإشارتي ولا بما نزل في البيان.”(٤) كما وضّح حضرة الباب أيضاً الهدف الرئيس لرسالته هو فقال: “إنَّ الهدف من هذا الظهور، وكلّ ما سبقه من الظهورات الأخرى، ليس إلاّ الإعلان عن مجيء مَنْ يُظْهِرُه الله وبعث رسالته.”(٥) وبما أنَّ جوهر الإنجازات الإِنسانية كافة موجودة في تعاليم هذا الظهور الإلهي الموعود فإنَّ “الدين كلّه يكمن في نصر ذلك الظهور ودعمه.”(٦) ولقد اعتبر حضرة الباب أنَّ التاريخ الإِنساني قد بلغ نقطة تحوّل رئيسة، وكان هو بمثابة “صوت الصارخ الذي كان ينادي في بريّة البيان”(٧) بأنَّ الإِنسانية بدأت بالدخول في مرحلة نضجها الجماعي.

ناشد حضرة الباب في كلِّ ما كتب، أتباعَه ليكونوا يقظين حتى إذا أظهر الموعود نفسه بادروا إلى إعلان الإيمان به. وحثّ أتباعه أيضاً على أن يشاهدوا الأمور بأعين أفئدتهم منزّهين أنفسهم عن كل وهم:

“قل إِنّما الآخرة أيام من يظهره الله، لا تجعلُنَّ شيئاً من أوامر الله موهوماً عند أنفسكم ولْتَرَوُنَّ كلَّ شيء ما قد خلقه بأمره بأَعْين أَفئدتكم مثل ما أنتم بأَعْين أَجسادكم تُبصرون.”(٨)

أكَّد حضرة الباب لأتباعه مراراً عِظَمَ مقام “من يُظهره الله” وسموَّ مكانته، وأراد لهم أنْ يكونوا لائقين للمثول بين يديه حين ظهوره، فسنّ لهم نمطاً للحياة وقواعدَ للسلوك تتصف بالعفّة والطهارة والقداسة ونبل الأخلاق. وأهاب بالرعيل الأول من أتباعه وتلاميذه التقيّد بتلك القواعد الأخلاقية التي لم تشهد لها الإِنسانية مثيلاً قبل ذلك:

“اغسلوا قلوبكم عن أدران الشهوات في هذه الدنيا واجعلوا زينتكم فضائل الملأ الأعلى… والآن قد أتى الوقت الذي لا تصعد فيه الأَعمال إلى عرشه الأعلى إلاّ إذا كانت طاهرةً نقيةً، ولا تكون مقبولة لديه إلاّ إذا كانت خاليةً من آثار الدَّنس…”(٩)

وردت إشارات عدة بقلم حضرة الباب بالنسبة لشخصيّة “مَنْ يُظهره الله،” منها مثلاً قوله في موضعين مختلفين:

“طوبى لمن ينظر إلى نظم حضرة بهاء الله ويشكر ربّه فإنّه يَظهر ولا مردَّ له من عند الله في البيان…”(١٠)

“إذا أشرقت شمس البهاء عن أفق البقاء أنتم فاحضروا بين يديّ العرش…”(١١)

وفي عام ١٨٤٨ وفي جمعٍ ضم جمهرة من أتباع حضرة الباب اتخذ حسين علي لقب “البهاء.” وقد عرف التاريخ حسين علي باسم بهاء الله وهو الذي كان من أبرز أتباع حضرة الباب، وحاز اتخاذُه لذلك اللقب دعم حضرة الباب وتأييده.

إنَّ الدور الذي قام به حضرة الباب تجاه ظهور حضرة بهاء الله يشبه في بعض وجوهه ما قام به يوحنا المعمدان تجاه تأسيس الدين المسيحي. كان حضرة الباب المبشّر بحضرة بهاء الله، وكانت وظيفته تمهيد السبيل لمجيء حضرة بهاء الله. وطبقاً لذلك، فإنَّ تأسيس الدين البابي لهو في الحقيقة مرادف لتأسيس الدين البهائي، وإنَّ هدف رسالة حضرة الباب تَحَقَّقَ عندما أعلن حضرة بهاء الله في عام ١٨٦٣ بأنَّه الموعود المنتظر الذي أعلن عنه حضرة الباب. وأكّد حضرة بهاء الله فيما بعد هذا الرأي في أحد ألواحه حين وصف حضرة الباب بأنه كان “[منادياً] باسمه و[مبشّراً] بظهوره الأعظم الذي ارتعدت له فرائص الأمم وسطع النور به من أفق العالم.”(١٢) فقد سجّل ظهور حضرة الباب في التاريخ الديني ختام “كور النبوّة” و”بداية” الكور الذي “سوف تتحقّق فيه كل النبوءات.”

ومع ذلك يجدر بنا أنْ لا ننسى أنّ حضرة الباب أسَّسَ ديناً مستقلاً قائماً بذاته، خاصاً بدعوته هو، عُرِفَ بالدين البابي. فبَعَث هذا الظهور الديني جامعة من المؤمنين مليئةً بالحيويّة والنشاط، وانبثق عنه وحيٌ من الآيات والآثار المقدسة، ومَهَرَ التاريخَ ببصماته الخاصة المُمَيَّزَةِ التي لا تُمحى. وتشهد الآثار البهائية المقدسة بأنَّ “عظمة حضرة الباب لا تكمن فقط في أنَّ الله قد بعثه ليبشّر بهذا الظهور الأعظم، بل وأكثر من ذلك لكونه ظهر بالقدرة والسيادة ذاتهما الكامنتين في كلّ ظهور إلهي يتمتع بالقوة والعزم، فمَلَكَ بصولجان رسالته المستقلة مُلكاً لم يُضاهِهِ فيه أحدٌ من الرسل والأنبياء السابقين.”(١٣) وقد تمكّن حضرة الباب حقاً من القيام بدورٍ يذكّرنا بما قام به الرسل والأنبياء الأولون، إذ أطلق دعوة الإصلاح الخلقي والروحاني في المجتمع الفارسي، وأصرّ على رفع المستوى الاجتماعي للمرأة وتحسين أوضاع الفقراء والمعْوزِين. ولكن – على عكس مَنْ سَبَقَهُ من الذين نظروا إلى المستقبل البعيد إلى يوم تمتلئ الأرض بـ”معرفة الرب”(١٤) – تمكّن حضرة الباب من أن يقيم الدليل بفضل ظهوره بأنَّ فجر نور “يوم الله” قد بدأ ينبثق.

موصدةً بدت قلوبُ وعقول أولئك الذين وجّه إليهم حضرة الباب دعوته، فكانوا وكأنهم أسرى عالم فكري تجمّد على حاله دونما تبديل منذ القرون الوسطى. فكانت الإجراءات والقواعد التي سنّها لمعالجة انهيار الحياة الروحية، ناهيك عن إعلاء شأن العلم والتربية وتشجيع دراسة العلوم النافعة، كل هذه الأفكار بدت آنذاك ثوريّة للغاية مهما كان المعيار الذي نُِقيمُه للحكم عليها. وهكذا استطاع حضرة الباب بإِعلانه عن دين جديد مساعدة أتباعه كي يتحرّروا من التقاليد الفكرية الاسلامية الموروثة، وعبّأَ صفوفهم استعداداً لمجيء حضرة بهاء الله.

وصفَ الملاّ حسين البشروئي، أحد علماء الدين المرموقين في بلاد فارس، الأثر الذي تركه في نفسه ذلك اللقاء الأول حين مَثُلَ بين يديّ حضرة الباب: “شعرت بقوة وشجاعة خُيِّل إليّ معهما أنني أستطيع أنْ أقف وحيداً لا أتزعزع في وجه العالم كلّه بكل شعوبه وحكّامه. وبدا لي أنَّ الكون لا يزيد على حفنة من التراب في يدي. وحَسِبتُ أنني صوتُ جبريلَ المتجسّد يَهيب بالناس جميعاً أنْ أفيقوا فإِنَّ نور الصبح قد لاح.”(١٥)

كان لدعوة حضرة الباب تأثير بالغ أَحدث تحوّلاً وتغييراً في النفوس، وتحقّق ذلك أساساً عبر رسائله وتفاسيره وكتاباته العقائدية والصوفية. أما البعض، كالملاّ حسين، فقد استمعوا إليه شخصياً يحدّثهم ويتحفهم ببديع بيانه. ووصف أحد أتباعه ما كان للباب من صوت مؤثّر فقال: “كان صوت حضرة الباب وهو يُملي تعاليمه وقواعد إيمانه مسموعاً بوضوح في سفح الجبل الذي كان يردد هو والوادي صوته، وكانت نغمة ترتيل الآيات تفيض من فمه وهي تشنّف الأسماع وتخترق القلوب والأرواح، وتتحرك لندائه قلوبنا من أعماقها.”(١٦)

اتّسم الإعلان عن الدعوة الجديدة بالشجاعة والإقدام، وهي الدعوة التي رسمت للبشر رؤية مجتمع جديد في كل نواحيه، فأصاب الفزع المؤسسات الدينية والمدنيّة على حدّ سواء. وسرعان ما تعرّض البابيون للاضطهاد والتعذيب نتيجة لذلك. فأُعدم الآلاف من أتباع حضرة الباب في سلسلة من المجازر الفظيعة. وسجّل عدد من المراقبين الغربيين الشجاعة المعنوية الخارقة التي أبداها البابيون وهم يواجهون حملة العنف والاضطهاد هذه. وتأثّر المفكرون الأوروبيون كإرنست رينان، وليو تولستوي، وساره برنارد، والكونت غوبينو، أبلغ الأثر لهذه المأساة الروحيّة التي دارت رَحَاهَا في بلد خيّم عليه الظلام. وأصبحت أخبار حضرة الباب موضوع حديث المنتديات الفكرية والأدبية الأوروبية بصورة متكرّرة. وحَمَلت تلك الأخبار البطولة التي تحلَّى بها أتباعه، وحكت عن سيرته العطرة ونبل تعاليم رسالته. وانتشرت قصة الطاهرة، تلك الشاعرة العظيمة والبطلة البابية، انتشاراً واسعاً كقصة حضرة الباب نفسه – فهي التي خاطبت جلاّديها حين استشهادها بجرأة قائلة: “تستطيعون قتلي بأسرع ما تريدون، ولكنكم لن تستطيعوا إيقاف تحرير المرأة.”(١٧)

وفي نهاية الأمر زعم أعداء حضرة الباب ومناوئوه بأنه لم يكن مارقاً في الدين فحسب، بل ثائراً ومتمرداً عظيم الخطر أيضاً. لذا قررت السلطات التخلّص منه وإِعدامه. ونُفّذ فيه الحكم في التاسع من تموز (يوليه) عام ١٨٥٠ (الموافق للثامن والعشرين من شعبان ١٢٦٦ هجرية) في ميدان يتوسط الثُّكنات العسكرية بمدينة تبريز. واحتشد جمع غفير من الناس قُدّر عددهم بعشرة آلاف شخص، غصّت بهم سطوح الثكنات العسكرية والمنازل المشرفة على الميدان. وعُلّق حضرة الباب وشابٌ من أتباعه بحبلين ودُلِّيا أمام جدار في الميدان. واصطفّت الفرقة العسكرية وكان قوامها ٧٥٠ جندياً أرمنياً ثم انتظمت في صفوف ثلاثة في كل صف ٢٥٠ جندياً، وأطلق كل صف الرصاص بعد الآخر، وتكاثف الدخان المتصاعد من البنادق السبعمائة والخمسين حتى أظلم الميدان وتعسرت الرؤية فيه.

وسجّل أحداث استشهاد حضرة الباب السير جستين شييل، السفير فوق العادة ومبعوث الملكة فكتوريا الخاص لدى بلاط الشاه، في تقرير رفعه إلى وزير الخارجية البريطاني اللورد بالمرستون بتاريخ الثاني والعشرين من تموز (يوليه) عام ١٨٥٠، وقد جاء في تقريره ما يلي: “عندما انقشع الغبار الكثيف بعد إطلاق الرصاص، توارى حضرة الباب عن الأنظار وهتف الجمهور بأنّه قد صعد إلى السماء. فقد مزّق الرصاص الحبلين اللذين رُبط بهما حضرة الباب ورفيقه، إلاّ أنّه أحضر فيما بعد من الغرفة التي اكتُشِفَ وجوده فيها وتّم إطلاق الرصاص عليه من جديد.”(١٨)

بعد هذه المحاولة الأولى لتنفيذ حكم الإِعدام في حضرة الباب واختفائه عُثِرَ عليه يجلس في زنزانته وهو يُملي الإرشادات على أحد أتباعه. وكان حضرة الباب قد حذّر حرّاسه في وقت سابق من النهار حين قدموا ليقودوه إلى ساحة الإعدام بأن ليس هناك من قوة في الأرض يمكنها منعه من إتمام كل ما يريد الإدلاء به حتى الحرف الأخير. ولكن عندما حضر الحراس لاقتياده إلى الساحة للمرة الثانية تحدث اليهم قائلاً بكل هدوء: “أما وقد انتهيت من حديثي مع السيد حسين فبإمكانكم أنْ تفعلوا ما بدا لكم.”(١٩)

واقتيد حضرة الباب ورفيقه الشاب مرة أخرى إلى ساحة الإِعدام. إلاّ أنَّ الجند الأرمن رفضوا إطلاق الرصاص عليه مرة ثانية، فشُكِّلت فرقة من الجند المسلمين وأُمروا بإطلاق الرصاص على حضرة الباب ورفيقه. وفي هذه المرة مزّق الرصاص جسدي الشهيدين جاعلاً منهما كتلةً واحدة من اللحم والعظم، أما الوجهان فقد ظلاّ سالمين لم تصبهما إلاّ خدوش طفيفة. وانطفأ نور ذلك “البيت”(٢٠) (والبيت كلمة استخدمها حضرة الباب في أحد ألواحه إشارة إلى ذاته) تحت وطأة سلسلة من الأحداث والظروف المثيرة للغاية، أما كلماته الأخيرة فقد وجهها حضرة الباب إلى الجمهور المحتشد قائلاً: “أيها الجيل الملتوي! لو آمنتم بي لاحتذى كل واحد منكم حذو هذا الشاب الذي هو أعظم منكم شأناً، ولأقبل راضياً مختاراً على التضحية بنفسه في سبيلي، وسيأتي اليوم الذي فيه تؤمنون بي، وعند ذاك لن أكون معكم.”(٢١)

سجّل حضرة بهاء الله تقديره للباب وأجزل له الثناء في كتاب الإيقان فقال:

“… وكم ظهر من الاستقامة من ذاك الجمال، جمال الأحدية، بحيث أنَّه قام كلّ من على الأرض على منعه، ولم يأت ذلك بثمر أو فائدة بل كلّما كان يرد منهم من الإيذاء على تلك السّدرة، سدرة طوبى، كلّما كان يزداد شوقه، ويزداد اشتعال نار حبّه. وكل هذا واضح لا ينكره أحد إلى أَنْ فدى أخيراً بروحه وصَعِدَ إلى الرفيق الأعلى.”(٢٢)

وكتب المؤرخ أ.ل.م. نيكولاس الذي سجّل الأحداث المحيطة باستشهاد حضرة الباب ما يلي: “لقد فدى الإِنسانيّة بنفسه، ومن أجل الإِنسانيّة وَهَب روحَه وجسده، ولأجلها تحمّل الحرمان، والأذى، والتعذيب، والاضطهاد، وأخيراً الاستشهاد. ولقد أحكَم بدمائه ميثاقَ الأخوَّة العالمية، ودفع تماماً كما فعل المسيح حياته ليعلن مجيء عهد من الوفاق والعدالة والمحبة الأخويّة.”(٢٣)

إنَّ فترة السّنوات الستّ القصيرة التي عاشتها رسالة حضرة الباب والسرعة التي حققت فيها أهدافها رمزت في بعض أوجهها إلى الطّفْرة المفاجئة التي حثّ حضرة الباب العالم لِيُقدِمَ عليها حتى يتمّ الانتقال إلى حالة من الوعي والاحساس بالوحدة العالمية. فمنذ إعلانه الجريء لدعوته في منتصف القرن الماضي تحقّق تقدُّم قلّ نظيره في العديد من المجالات العلمية والتقنية. وسجّل هذا التقدم انبثاق التباشير الأولى لميلاد “مجتمع عالمي موحّد”. فكان دوره كـ “النقطة التي ذُوّتَ بها من ذُوّتَ”(٢٤) باعثاً لدورة جديدة من الكشف والإبداع البشري. لقد هبّت نسائم العرفان فاغتنت العقول وحَلّقت الأرواح في السموات العُلَى.

يصف حضرة بهاء الله تعاقب ظهورين إلهيّين بحيث كادا يتزامنان بأنّه “سرّ لا سبيل إلى اكتشاف كنهه.”(٢٥) ويعتقد البهائيون أَنَّ هذه الظاهرة ما هي إلاّ تأكيد على قرب مجيء “ملكوت الله على الأرض” وهي الشهادة أيضاً على عظمة ظهور حضرة بهاء الله. وقد علَّق على ذلك عبد البهاء قائلاً:

“إِنَّ حضرة الأعلى [حضرة الباب] لهو صبح الحقيقة الذي أشرق وأضاء بنوره جميع الأرجاء، إنّه المبشّر بالنيّر الأعظم، أي الجمال المبارك [حضرة بهاء الله] الذي وعدت به الكتب والصحف والزبر والألواح السابقة جميعها. فظهور الجمال المبارك أشرق بالنور ذاته الذي تجلّى على الطور في سدرة سيناء. كلّنا عباد لتلك المظاهر الإلهيّة خاضعين خاشعين لدى بابهم.”(٢٦)

وقد القى حضرة عبدالبهاء هذه الخطبة المباركة بمنزل السّيد والسّيدة دريفوس بباريس مساء 23 أيّار سنة 1913 فى ذكرى اعلان دعوة الباب حيث كان الاوربيون يحتفلون به بالتاريخ الميلادى نظرا لعدم العمل بالتاريخ الهجرى فى هذه البلاد .
هو الله
حيث أنّ اليوم يوم بعثة حضرة الأعلى لذا أهنّئكم جميعًا. لقد كان اليوم يومًا أظهر حضرة الباب فِي ليلته أمره المبارك إلى حضرة باب الباب الملا حسين فِي شيراز. إنّ ظهور حضرة الباب عبارة عَنْ طلوع الصّبح، فكما أنّ طلوع الصّبح يبشّر بشروق الشّمس فكذلك كان ظهور حضرة الباب علامة لطلوع شمس البهاء، أي أنّه كان صُبحًا نورانيًّا بحيث نوّر الآفاق وظهرت تلك الأنوار شيئًا فشيئًا إلى أن تجلّت شمس طلعته المنيرة.
لقد كان حضرة الباب مبشّرًا بطلوع شمس بهاء الله، وبشّر بظهوره فِي جميع كتبه حتّى إنّه يتفضّل فِي أوّل كتابه المسمّى ﺑِ “أحسن القصص” “يا سيدي الأكبر قد فديت بكلّي لك ورضيت السَّبَّ فِي سبيلك وما تمنّيت إلا القتل فِي محبّتك”. لقد كَانَتْ نهاية آمال حضرة الباب الاستشهاد فِي هذا السّبيل، وقد وضع تاج السّلطنة الأبديّة عَلَى هامته المباركة بحيث ستُنير جواهره الزّواهر جميع القرون والعصور. إنّ حضرة الأعلى روحي له الفداء تحمّل صدمات شديدة، فقد كان فِي بداية الأمر سجينًا فِي بيته فِي شيراز ثمّ بعد ذلك توجّه إلى إصفهان وأصدر العلماء فيها حكم القتل عليه وأظهروا بذلك منتهى الظّلم والاعتساف، فأرسلت الحكومة حضرته إلى تبريز وحبسته فِي ماه كو ومنها أرسلوه إلى قلعة جهريق ليبقى فيها سجينًا. ولقي حضرته الضّرب الشّديد وتحمّل أذىً لا يعدّ ولا يحصى وأخيرًا أُعيد إلى تبريز ورموا عَلَى صدره المبارك آلافًا من الرّصاص لكنّ هذا الاستشهاد زاد سراجه نورًا وزاد رايته ارتفاعًا وزاد ظهوره قوّة فانتشر اسمه المبارك فِي الشّرق والغرب إلى يومنا هذا.

وخلاصة القول لقد ظنّ البعض أنّ المظاهر المقدّسة لا تعلم شيئًا عَنْ حقيقة نفسها حتّى يوم ظهورها كالزّجاج المحروم من النّور وعندما يشتعل سراج الأمر يتنوّر ذلك الزّجاج الرّوحانيّ، هذا خطأ لأن المظاهر المقدّسة ممتازة منذ البداية ولهذا يتفضّل حضرة المسيح “في البدء كان الكلمة”. إذن فالمسيح كان مسيحًا منذ البدء وكان الكلمة “وكان الكلمة عند الله”. وظنّ البعض أنّ حضرة المسيح حينما عمّده يحيى فِي نهر الأردنّ نزل الرّوح القدس عليه وبعث بالرّسالة فِي حين أنّ حضرة المسيح تفضّل بصريح الإنجيل أنه كان منذ البدء مسيحًا وكذلك يتفضّل حضرة الرسول “كنت نبيًّا وآدم بين الماء والطّين”، ويتفضّل الجمال المبارك “كنتُ فِي قدم ذاتي وأزليّة كينونتي عرفت حبّي فيك خلقتك” فالشّمس شمسٌ دائمًا وإذا أظلمت زمنًا فإنّها ليست بشمس فالشّمس شمسٌ بحرارتها وهكذا كَانَتْ المظاهر المقدّسة وستبقى عَلَى ما هي عليه من النّورانيّة، وإنّهم ما زالوا نورانيّين وحقائق سماويّة ومؤيّدين بالرّوح القدس وكانوا مظاهر الكمالات الإلهيّة. وما يوم البعثة إلا عبارة عَنْ إعلان الدّعوة.

ومثله مثل هذه الشّمس فمع أنّ نقاط طلوعها متعدّدة وتطلع كلّ يوم من برج من الأبراج ومن مطلع من المطالع ولكن لا يجوز القول بأن شمس اليوم شمس حادثة بل إنّها نفس تلك الشّمس القديمة لكنّ المطالع والمشارق حادثة وجديدة. وخلاصة القول إنّ حضرة الأعلى، روحي له فداء، بشّر فِي جميع كتبه بظهور حضرة بهاءالله وبأنّ ظهورًا عجيبًا سيظهر فِي “سنة التّسع” ويحصل كلّ خير فيها ويفوز الجميع بلقاء الله أي سيحصل ظهور ربّ الجنود وستطلع شمس الحقيقة وستنفخ روح أبديّة. وهناك بيانات كثيرة كلّها تبشّر بظهور حضرة بهاء الله، ولهذا عندما أظهر حضرة بهاء الله أمره فِي بغداد فِي يوم الرّضوان اعترف به جميع البابيّين إلا قليلاً منهم. وقد كَانَتْ قوّة حضرة بهاء الله وقدرته ظاهرة قبل إظهار أمره وكان جميع النّاس حيارى من شخصيّته الجليلة وكمالاته وعلمه وفضله وقدرته، ولهذا فقد انتبه الناس – بمجرد إظهار أمره وفي أيّام قليلة – إلى حقيقة أمره.
ومع أنّ حضرة بهاءالله كان فِي السّجن لكنّ أمره أحاط الشّرق والغرب وأراد ملكان مستبدّان أن يمحوا أمره ويطفئا سراجه لكنّه ازداد نورًا، وقد رفع رايته وهو تحت السّلاسل وسطع نوره وهو فِي غياهب السّجن ولم يستطع جميع أهل الشّرق ملوكهم ومملوكهم أن يقاوموه، وكلّما ازدادوا منعًا وقتلوا أصحابه ازداد الإقبال فأقبل مائة شخص بدل شخص واحد مقتول وغلب أمره. وكَانَتْ قدرة حضرة بهاء الله واضحة قبل ظهوره ولم يتشرّف شخص بمحضره الأنور إلا وأصابته الدّهشة وقد اعترف جميع علماء آسيا وفضلائها قائلين “إنّ هذا الشخص عظيم لكنّنا نحن لا نستطيع أن نتخلّى عَنْ تقاليدنا أو نترك ميراث آبائنا وأجدادنا” ولو أنّهم لم يكونوا مؤمنين بحضرته فإنّهم كانوا يعلمون أنّه شخص عظيم. هذا وإنّ حضرة بهاءالله لم يكن قد دخل مدرسة، ولم يكن له معلم، وكَانَتْ كلماته كلمات ذاتيّة، وكان الّذين يعرفونه جميعًا يعلمون جيّدًا بهذه المسألة. ومع كلّ هذا فقد شاهدتم آثاره وسمعتم علومه وكمالاته وشاهدتم حكمته وفلسفته التي اشتهرت فِي الآفاق، وإنّ تعاليمه روح هذا العصر ويشهد جميع الفلاسفة بذلك ويقولون أنّ هذه التّعاليم نور للآفاق.وخلاصة القول إنّ المظهر الإلهيّ يجب أن يكون نورًا إلهيًّا وتكون نورانيّته من ذاته لا من غيره كالشّمس نورها منها، أمّا نور القمر وبعض النّجوم فمن نور الشّمس وهكذا نورانيّة المظاهر المقدّسة فهي نورانيّة صادرة منهم ولا يمكن أن يقتبسوها من غيرهم فغيرهم يجب أن يكتسب العلوم منهم ويقتبس الأنوار منهم لا أنّهم يقتبسون من غيرهم.
إنّ جميع المظاهر الإلهيّة كَانَتْ عَلَى هذا المنوال: إبراهيم وموسى وعيسى ومحمّد والباب وبهاءالله لم يدخل أيّ واحد منهم مدرسة إلا أنهم كتبوا كتبًا شهد الكلّ عَلَى أنّها لا مثيل لها. وقضيّة عدم دخول الباب وبهاءالله المدارس دليل وبرهان يستدلّ به بعض النّفوس فِي إيران اليوم وفي الّشرق يستدلّون بكتب بهاءالله عَلَى صحّة دعوته قائلين إنّه لا يستطيع أحد أن تصدر عنه مثل هذه الآيات، ولم يظهر شخص يستطيع أن يكتب شبهها لأنّ هذه الكتب والآثار صدرت من شخص لم يدخل مدرسة وهي برهان عَلَى صحّة دعوته. وخلاصة القول هذه الكمالات كَانَتْ كمالات ذاتيّة ولا يمكن أن يكون الأمر بغير ذلك، فالنّفوس المحتاجة إلى التّعلّم من الآخرين كيف يمكن أن تصبح مظاهر إلهية؟ فالسّراج المحتاج إلى نور كيف يهب النّور؟ إذًا يجب أن يكون المظهر الإلهي نفسه جامعًا للكمالات بالفطرة لا بالاكتساب، وأن يكون شجرة مثمرة بذاتها لا ثمرة اصطناعيّة، هذه هي الشّجرة المباركة التي تظلّل الآفاق وتعطي الثّمار الطّيّبة.
إذًا فانظروا فِي الآثار والعلوم والكمالات التي ظهرت من حضرة بهاءالله والتي كَانَتْ بقوّة إلهيّة وتجلّيات رحمانيّة ولقد بشّر حضرة الباب فِي جميع كتبه بظهور تلك الفيوضات والكمالات الإلهيّة. لذا فأهنّئكم بيوم بعثة حضرة الأعلى، روحي له الفداء، وأرجو أن يكون هذا العيد السّعيد واليوم الجديد مباركًا عليكم جميعًا وسببًا لسرور القلوب.

For more details, followed ABN Bahá’í News Facebook Page

https://www.facebook.com/ABN.BahaiWorldNews/

Source : ABN Bahá'í News

For more details, followed ABN Bahá'í News Facebook Page

https://www.facebook.com/ABN.BahaiWorldNews/

اكتب ايميلك هنا Enter your email address:

Delivered by FeedBurner

To get a copy of this article or to contact the administration of the site .. Write to the editorial department on this email abnnews.net@outlook.com We are specialized in the field of journalism and media .. This site is one of the publications of an independent European media institution with dozens of versions of the media read and audio-visual .. We offer the news and the abstract truth, as a team working one aim to serve the human world, away from appearing and polishing. نحن متخصصون في المجال الصحفي والاعلامي .. وهذا الموقع هو أحد اصدارات مؤسسة اعلامية أوروبية مستقلة لها عشرات الاصدارات من وسائل الاعلام المقروءة والسمعية والبصرية .. ونقدم الخبر والحقيقة مجردة من الأهواء الشخصية كفريق عمل واحد هدفه خدمة العالم الانساني بعيدا عن الظهور والتلميع.

error: Content is protected !!