عالمي – بهائي نيوز: تعتبر الأخلاق الروحية حجر الزاوية في بناء المجتمع، ومن هنا يبرز التساؤل حول راي الدين البهائي في موضوع الغيرة والحسد، وكيف رسمت النصوص الإلهية حدوداً فاصلة بين مشاعر الحماية وبين تدمير الذات. بالعودة إلى كتاب “الكلمات المكنونة”، نجد دستوراً واضحاً يطهر القلب من هذه الشوائب.

ففي رحلة البحث عن “القلب السليم”، تضع الكلمات المكنونة (القسم الفارسي) دستوراً أخلاقياً صارماً يربط بين طهارة الباطن وبين الفوز بالرضوان الإلهي. إنها دعوة للتحرر من قيود “النفس النارية” والارتقاء إلى “هواء قدس المعاني”. فماذا تقول النصوص الأصلية عن أمراض القلوب وعلاجها؟

التحذير من “شائبة الحسد”

وعند التعمق في راي الدين البهائي في موضوع الغيرة المذمومة والحسد، نجد نصاً قاطعاً في الكلمات المكنونة (الفارسية) يقول: “يا أبناء الأرض، اعلموا حق العلم أنّ قلباً بقيت فيه شائبةٌ من حسد لن يدخل جبروتي الباقي أبداً”. هذا يؤكد أن الغيرة السلبية التي تتحول إلى حسد هي حجاب يمنع الروح من الترقي. ففي “دستور” الكلمات المكنونة الفارسية، ورد تحذير قاطع يربط بين الحسد وبين الحرمان من الملكوت.

النص:

“يا أبناء الأرض، اعلموا حق العلم أنّ قلباً بقيت فيه شائبةٌ من حسد لن يدخل جبروتي الباقي أبداً، ولن يشمّ عرف القدس من ملكوت تقديسي قطّ.”

 يوضح النص أن الحسد ليس مجرد خطأ عابر، بل هو “مانع” يحول دون دخول الروح إلى الجبروت الباقي، ويحرم الإنسان من استنشاق الروائح القدسية.

النهي عن الغيبة وذكر عيوب الخلق

يؤكد النص على أن اللسان خُلق للذكر، ولا ينبغي تدنيسه باغتياب الناس، بل بالانشغال بعيوب النفس.

النص :

“أيّها المهاجرون، جُعل اللسان لذكري فلا تدنّسوه بالغيبة، فإن غلبت عليكم النّفس النّاريّة فاشتغلوا بذكر عيوب أنفسكم لا باغتياب خلقي لأن كلّ منكم لنفسه أبصر وأعرف منه بنفوس عبادي.”

تطهير القلب من “الغل والحقد”

يعتبر تطهير القلب من الضغائن هو بساط العبور نحو حضرة الأحدية.

النص:

“يا عبدي، طهّر قلبك من الغلّ، ثم تهادى على بساط القدس الأحد بلا حسد.” وأيضاً: “يا ابن التراب، طهر قلبك من الغل والحقد لتدخل ملكوت القدس بقلب سليم.”

الصدق في الأفعال لا في الأقوال

يشدد على أن المعيار الحقيقي هو العمل الصالح، والصدق الذي يظهر في السلوك، والابتعاد عن التفاخر.

النص:

“يا ابن التّراب، الحقّ أقول: أشدّ العباد غفلةً من يجادل في القول، ويبتغي التفوّق على أخيه، قل يا أيّها الأخوة، بأعمالكم تزيّنوا لا بأقوالكم.”

وأيضاً التأكيد على المحبة والوفاء:

“يا أحبائي، لا تختاروا رضاكم على رضاي ولا تريدوا ما لا أريده لكم أبداً ولا تأتوني بقلوب ميّتة تلوّثت بالأماني والآمال.”

أهمية العمل والكسب

يربط الدين البهائي بين الروحانية والعمل النافع في المجتمع، معتبراً المعطلين من الناس في عداد الأموات.

النص:

“يا عبادي، أنتم أشجار رضواني، فلتتحلّوا بالأثمار البديعة المنيعة حتى تنتفعوا وينتفع غيركم، لهذا وجب عليكم جميعاً أن تشتغلوا بالصّنائع والكسب.” وورد أيضاً: “خير النّاس الذين يحصلون على أرزاقهم بالعمل، ويُنفقون منه على أنفسهم وعلى ذوي قُرباهم (حُبّاً لله ربِّ العالمين).”

ما هي الكلمات المكنونة؟

يُعد كتاب “الكلمات المكنونة” (The Hidden Words) من أسمى وأشهر الآثار الكتابية التي خطّها بهاء الله (مؤسس الدين البهائي) في بغداد عام 1858. يتألف الكتاب من قسمين؛ أحدهما بالعربية والآخر بالفارسية، وهو يمثل جوهر الزبدة الروحانية للأديان السماوية السابقة في قالب شعري ونثري بليغ. يركز الكتاب على العلاقة الأبدية بين الخالق والمخلوق، ويقدم توجيهات أخلاقية عميقة تهدف إلى تطهير القلب من الأنانية والتعلق بالدنيا، داعياً الإنسان إلى استعادة مقامه الروحي الرفيع من خلال المحبة والإنصاف والصدق.

تعريف بالدين البهائي

الدين البهائي هو دين عالمي مستقل، ظهر في منتصف القرن التاسع عشر على يد حضرة بهاء الله، وينتشر أتباعه اليوم في كل دول العالم تقريباً. تقوم العقيدة البهائية على ثلاث ركائز أساسية: وحدانية الله، ووحدة الأديان في أصلها ومنبعها، ووحدة الجنس البشري. يؤمن البهائيون بأن الأديان تتطور بشكل متتابع لتلائم احتياجات العصور المختلفة، وأن رسالة بهاء الله تركز على تحقيق الوحدة العالمية، ونبذ التعصبات بجميع أنواعها (الدينية، والعرقية، والوطنية)، والمساواة بين الرجل والمرأة، والتوافق بين العلم والدين للوصول إلى سلام عالمي دائم.

في الختام، إن راي الدين البهائي في موضوع الغيرة والحقد يتلخص في ضرورة الانقطاع الكلي عن شؤون الدنيا والتوجه بـ “قلب سليم” نحو المحبوب، حيث أن “بأعمالكم تزيّنوا لا بأقوالكم” هي القاعدة الذهبية لكل مؤمن يسعى لنشر الحب والصدق.

أسئلة شائعة (FAQ)

ما هو شرط دخول الجبروت الباقي في الكلمات المكنونة؟
خلو القلب من أي “شائبة حسد”، وطهارته من الغل والحقد للدخول بـ “قلب سليم”.. وهذا راي الدين البهائي في موضوع الغيرة

كيف عالجت النصوص مشكلة الغيبة؟
بأن يشغل الإنسان نفسه بذكر عيوبه الشخصية بدلاً من ذكر عيوب الآخرين، لأن الإنسان أبصر بنفسه.

هل يُقبل القول بدون عمل في البهائية؟
لا، النص واضح في قوله: “بأعمالكم تزيّنوا لا بأقوالكم”، ويصف من يجادل بالقول دون فعل بأنه “أشد العباد غفلة”.

 ما هو أثر الحسد على الفرد وفقاً للنصوص البهائية؟
حسب “الكلمات المكنونة”، فإن الحسد يمنع الإنسان من “استنشاق رياح قدس الوفاء”، والأهم من ذلك أنه يؤدي إلى “نقصان الفضائل” لدى الشخص نفسه؛ فالحزن لفضل الآخرين يستهلك طاقة الإنسان الروحية ويقلل من كمالاته.

كيف يمكن للإنسان تطهير قلبه من الحقد والغل؟
تؤكد النصوص أن الطريق هو “تطهير القلب” كفعل إرادي واعي، وذلك لكي يستطيع الإنسان دخول “ملكوت القدس بقلب سليم”. كما تنصح النصوص بالانشغال بذكر عيوب النفس بدلاً من الانشغال بعيوب الخلق (الغيبة)، وهو ما يساعد على تلاشي الحقد.

3. لماذا يتم التركيز على “العمل” أكثر من “القول” في التعاليم البهائية؟
لأن النصوص تعتبر “أشد العباد غفلة من يجادل في القول ويبتغي التفوق على أخيه”. وتدعو الكلمات المكنونة الأحباء بوضوح: “بأعمالكم تزيّنوا لا بأقوالكم”، معتبرة أن الأفعال القدسية هي ما يميز الإنسان الحقيقي، وأن الأشجار (النفوس) التي بلا ثمر (عمل نافع) هي “خليقة بالنار”.

للتواصل info@abnnews.net

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *