مقال حاتم الهادي لسيادة رئيس مصر

حاتم الهادي
حاتم الهادي

مقالات – ABN Bahá’í New  /     نعم يا سيادة الرئيس هناك ديانات أخرى في مصر

تصريح السيد الرئيس في منتدى شباب العالم الذي أقيم في شرم الشيخ هذا العام حول أهمية إيجاد سبل للدولة لتواكب العصر بتحقيق آليات التعايش السلمي واحترام الحق في حرية المعتقد لم يكن مثل تصريحاته السابقة؛ فقد كانت تصريحاته أكثر شمولا حين أكد بكل وضوح أنه “لا تمييز بين رجل وامرأة ولا تمييز بين دين ودين، الكل سواء”، وحين استطرد قائلا “الكل سواء ده مش كلام يتقال، لأ دي ممارسات لازم تتعمل ولازم تتنفذ.. والممارسات دي تتحول إلى سياسات وآليات عمل مستقرة في الدولة علشان يبقى ليها الاستدامة”، كما أثنى سيادته على إنجاز الحكومة في تفعيل قانون بناء دور العبادة الموحد، وهو بالفعل إنجاز يستحق التقدير. ولكن ما أثار اهتمامي وجعلني أرى التصريح بمثابة نقطة تحول فارقة هو ما أكده سيادته -في نفس الحديث- بوضوح لا لبس فيه حين قال: “لو إحنا عندنا في مصر هنا ديانات أخرى، (وكرر) ديانات أخرى، نحن كنا سنبني لهم دور عبادة (لهم)، لو فيه عندنا يهود حنبنيلهم، لو فيه عندنا ديانات أخرى حنعمل”، وعلل تصريحه قائلا “ليه؟ لأن ده حق المواطن إنه يعبد كما يشاء”، ثم أكد “المواطن يعبد كما يشاء” واستطرد قائلا كأنه يضع النقاط فوق الحروف “وبالمناسبة، (يعبد) أو لا يعبد، ده موضوع إحنا ما نتدخلش فيه”.
في أول وهلة، كدت لا أصدق أذني حين سمعت هذه الكلمات، وبعد مراجعة تسجيل الجلسة والاستماع لها مرات أخرى شعرت بأني بالفعل أشهد لحظة تاريخية مهمة لا تمس مصير المصريين من المؤمنين بالبهائية أو ديانات وعقائد مختلفة فحسب، بل تمس سكان المنطقة والعالم أجمع. ففي بضع كلمات قليلة وعميقة أطلق رئيس مصر -دولة بحجم ومكانة عالمية مهمة- نقطة تحول تاريخية سيشهد له التاريخ بها، ونوه بإمكانية قياس ترقي شعبها العظيم بمقدار احترام حرية العقيدة ومقدرته على إحياء وحدة المجتمع في تنوعه التي كانت متأصلة في جذور ثقافته. بهذه الكلمات الراقية وبمحتوى ومغزى منتدى الشباب العالمي تحت رعاية السيد الرئيس، وضع سيادته مصر في مقدمة البلاد التي ترى أن الوصول للسلام العالمي يمكن تحقيقه عندما ندرك أن هويتنا الأساسية الدائمة هي “إنسان” وأن أي هوية أخرى هي في الحقيقة من صنعنا وهي هوية لا يمكن أن نجعلها تطغى على الهوية الإنسانية الأساسية.
إن مثل هذه المفاهيم الراقية تسمح لكل مواطن بأن يؤمن بما يشاء بدون أي إكراه وتطلق له العنان ليعتقد دينا أو آخر أو حتى لا يعتقد، -كحق مكفول له ليس لأحد أن يتدخل فيه. فبمثل هذه المفاهيم يرتقي تعامل الدولة- وكذا القوى المجتمعية الأخرى -مع كل المواطنين بدون أي تمييز يعرقل قدرتهم على المشاركة الفعالة في بناء الوطن. ولو تحولت بالفعل “لممارسات وسياسات عامة” في مصر ستجعل من مجتمعنا نموذجا تحتذيه الأمم. فحرية العقيدة ليست مجرد “بند” من بنود الميثاق الدولي لحقوق الإنسان وضع ليجمله أو يكمله بل في الحقيقة هو أحد أهم المفاهيم لإرساء قواعد السلم الاجتماعي، وهو الخطوة الأولى في أي نهج تقدمي مستنير. إن حرية الاعتقاد، إن منحت لكل فرد وبدون ترهيب أو وعيد من شأنها أن تنزع فتيل التعصب الديني والفكري القائم في مجتمعاتنا وتبعاته العنيفة وتسمح للكل بأن يكونوا سواسية أمام القانون -له ما له من حقوق وعليه ما عليه من واجبات.
إن تغييرا محوريا مثل هذا من شأنه أن يحدث طفرة فكرية كبيرة ويحتاج لتضافر قيادات الدولة والمفكرين وقادة الأديان بكل شجاعة وإخلاص. ويجب أن يعبر هذا التضافر عن صدق نياته بالمشاركة الفعالة لكل أطياف المجتمع وفئاته في حوار وطني واسع النطاق وعلى كل المستويات حول المبادئ التي من شأنها أن ترسخ التعايش والاتحاد مع تقبل التعددية العقائدية والفكرية.

بالفعل هناك ديانات أخرى في مصر.. وكتب التاريخ تشهد بوجود مصريين بهائيين في هذا البلد الكريم منذ أكثر من 150 سنة.. عاشوا فيها فترات من الاعتراف وفترات من الاضطهاد.. واجهوا أبشع الاتهامات.. وبرأهم القضاء المصري الشامخ مرارا وتكرارا من كل التهم المغرضة. ولا تزال هناك العديد من العراقيل التي تحد من ممارسات البهائيين في خدمة بلدهم، إشكاليات تعيق حقهم في المواطنة كغيرهم من المصريين، منها ما يتعلق بقانون الأحوال الشخصية، ومنها عدم تخصيص أراضي قبور لدفن موتاهم، وهذه احتياجات أصبحت الآن ملحة تحتاج لاهتمامك قبل أن يأملوا في بناء دور عبادة لهم كما صرحت وكما هو مسموح به للبهائيين في الـ160 دولة التي جاء ممثلوها لمنتدى الشباب العالمي.

نعم سيدي الرئيس.. أنا بهائي، وأنا قبل هذا مواطن مصري، وقبل هذا وذاك أنا إنسان. يهمني قبل كل شيء الصالح العام لمصر والإنسانية.. وقد أثبتت السنين والعقود الماضية أننا كبهائيين لسنا إلا مواطنين مخلصين.. لا نتمنى لبلدنا الكريم إلا كل خيرٍ وصلاح، بل ونعمل جاهدين لذلك جنبًا إلى جنب مع كل من له نفس النية الصادقة.
وإنني بمقالي اليوم لا أود إلا أن أضع أمامكم ونحن على أعتاب مرحلة تاريخية بدأت بمبادرتكم في منتدى الشباب بشرم الشيخ بعض المفردات التي أشرتم إليها في المنتدى، ولدي أمل وطيد أن تترجم تصريحات سيادتكم لقوانين وسياسات تسمح بالحرية الدينية للجميع وتعطي الحق على أرض الواقع لكل مصري -مهما كانت معتقداته- ليخدم مصرنا الحبيبة بكل أريحية وبدون أي تمييز.
كاتب المقال:
حاتم الهادي
المدير التنفيذى لمبادرة تنمية الموارد القيادية في الشرق الأوسط.

 

سوف تتابع مع فريق التحرير الصحفي في الموقع العالمي  ABN Bahá’í News التفاصيل الجديدة والأخبار البهائية بكل لغات العالم أولا بأول على رابط الموقع الرسمي  https://abnnews.net

نحن متخصصون في المجال الصحفي والاعلامي .. نعمل كجهة مستقلة ، ونقدم الخبر والحقيقة مجردة من الأهواء الشخصية كفريق واحد هدفه خدمة العالم الانساني بعيدا عن الظهور وتلميع أسمائنا

Share This:

You may also like...